اليوم : الجمعة 28 يوليو 2017


أيها البحر. سلام عليك وعلى من صدّق وعدك. ذلك الوعد القابع دائماً هناك، عند التقائك بالسماء. جئتك اليوم لكي أهدي دموعي إليك، فأجعل أمواجك تحتضنها. كصاحبين التقيا بعد زمن، كأم وابنتها، كطفلة ودميتها، كرَبٍ ونبيه. أيها البحر، لا أعلم إن كانت إحدانا من قبل قد وقفت مكاني ها هنا، أو في أي مكان آخر، تحمل أحزانها على وجهها، كي تخبرك عني، عنها، عنا. وإن لم تكن إحداهن من قبل قد فعلت ، فلأكن أنا أول من تفعل. أيها البحر، هل تعلم بوجود أشخاص مثلنا؟
أيقظتني فريدة من النوم لتخبرني بأن ملك سوف تجري اليوم جراحتها المنتظرة لتصحيح نوعها. في سرية تامة. كي لا يحاول أهلها منعها مما انتظرته وسعت إليه طوال حياتها. وأن علينا نحن أن نقوم بدور الأهل الغائبين، فلا أهل لها اليوم سوانا، في الواقع لا أهل لنا جميعاً سوانا. لا أخفي عليك، لقد ترددت في البداية، مسؤولية ومخاطرة وهم ثقيل، لكنني قلت لنفسي أن ملك تستحق، بالتأكيد تستحق، كلنا نستحق.
ولدت ملك مثلي ومثل فريدة في جسد ذكر، عانت عمرها من اضطراب الهوية الجنسية. اضطراب الهوية الزفت الجنسية. لا يشعر بها أحد، ولا يفهمها أحد. عبثاً حاولت، وعبثاً قاومت، وعبثاً تعذبت: أنا أنثي، أنثى يا عالم، أنثى يا خلق، ست، امرأة، بنت، فتاة. لماذا لا يريد أحدكم أن يفهم؟! إن هذا الجسد يقتلني، وأنا لا أريد سوى الحياة. فقط الحياة. فليقل لي أحدكم ما الخطأ في أنني أريد الحياة؟! ما الخطأ في أنني أرفض الاستسلام للموت؟! وماذا فعلت لكي استحق كل هذه القسوة؟! لكن أحداً لم يفهم، ولكن أحداً لم يرحم. لكن ملك لم تستسلم. قاتلت، ثم قاتلت، واستقتلت حتى وصلت إلى هنا. إلى هذه اللحظة التي انتظرتها طوال حياتها بشغف عظيم، مثل أم عاقر تنتظر مولودها الأول.


اليوم تقوم فريدة بدور الأخت الكبيرة، بينما أقوم أنا بدور الأم الغائبة، أو ربما العكس، لا أعلم. وجدنا أنفسنا فجأة في هذه الأدوار دون وعي مسبق، مثلما وجدت ملك نفسها في مواجهة مشاعر عنيفة، مضطربة، غامضة، وحقيقية. أخذت تبكي وتضحك، تتألم وتهرج، تسكن وتفرك، تخاف من الموت بينما هي على بعد ساعات قليلة من الحياة نفسها. ما رأيته اليوم في عيني ملك يصعب وصف جماله، وعذوبته، وصدقه. وعندما خرجت من غرفة العمليات كانت على ميعاد مع مولد جديد، مثلما كنت أنا على ميعاد مع شعور جديد، ذلك الشعور الغريب المبهم الذي قادني إليك. شعور الأمومة ربما.
تركتها تغفو قليلاً كي تستريح -مطمئنة لوجود فريدة يقظة جوارها- وجئت إليك. أعلم أنك لست مثل هؤلاء البشر الفانين، لا تحتاج إلى الكثير لكي تفهم، كما أنني يجب أن أعود بسرعة إليهم. أعلم أنك تفهمني، وأعلم أنك لن تخذلني. أيها البحر، ولدت اليوم فتاة تدعى ملك، فلا تكن قاسياً عليها مثل هذا العالم الشرير من ورائي، وامنحها الحب، وامنحها الحياة، فقط لا نسألك سوى الحب والحياة. أيها البحر، سلام عليك وعلى من صدّق وعدك.

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك