اليوم : الخميس 21 سبتمبر 2017

عندما أتممت عامي الخامس والعشرين، أحسست أن عامي القادم سيكون سعيدًا وانفجر الأمل في قلبي، خيبتُ ظنوني الدائمة بأنني لن أذوق طعم السعادة أبدًا في حياتي، لا أعلم سبب هذه الظنون لكنها لم تخيبني. هذا العام المختلف الذي لم ينفلت منه غير نصفه، ستة أشهر قضيت معظمها أحاول النهوض من الفراش.
أقضي ساعات عدة في محاولة رفع رأسي فقط من على الوسادة، أحارب هوة عميقة تكونت في فراشي وتحبسني داخلها، أشعر أني أغرق ولا أستطيع العوم، بعد انقضاء الساعات أستطيع الجلوس، أحاول فك شعري من ربطته حتى أشعر بأني لم أكن مسجونة، فأجد أنني أتصبب عرقا كما لو أنني أصبت بالحمى.
أحمل يدي اليمنى التي تزن جبلًا في هذا الوقت وأصفعني على خدي الأيمن ثم الأيسر، أمد يدي اليسرى لأشعل نور الحجرة وأنا ما زلت جالسة على الفراش. أنهض لأكمل حياتي التي لا أريد إكمالها، أمشي وأشعر بهالة سوداء تحيط بي وكأنني شيطانًا، أتحدث إلى نفسي متخيلةً أن هناك من يجلس بجانبي ويسمعني، أتمم ما على من دراسة وواجبات، أكون
بخير إلى أن أشعر بمسمارٍ يدق في صدري، ذئبٌ يعض في قلبي، أكاد أشعر بأسنانه وهو يغرسها فيه، يضيق تنفسي ويشتعل وجهي، أغمض عيني فأجدني أجري وأنا هلعة، أجري أجري ولا أرى شيئًا يجري خلفي، فتزداد ضربات قلبي ويضيق تنفسي أكثر، تمضي دقائق قبل أن أدرك أنها نوبة الهلع المعتادة، أمسك هاتفي وأهيأه في وضع تصوير الفيديو، أسجل أضعف لحظاتي صوت وصورة، أشغل نفسي برؤية نفسي في أسوأ حالاتها، فأشعر بأن تنفسي يهدأ والأسنان المغروسة في قلبي تتركه رويدًا رويدًا. أهدأ وأعود لممارسة حياتي التي ليس لدي أي رغبة في ممارستها.
أخبرني الطبيب بأنني أعاني من مرض الاكتئاب. وددت لو أقول له لا يهمني اسم المرض، لا يهمني التشخيص، لا يهمني أي شيء سوى أن أكون إنسانًة طبيعية تشعر بالسعادة العادية والحزن العادي. يهمني أن أستطيع محاربة تلك الحفرة في فراشي وأن أستطيع النهوض منه في دقيقتين لا ساعتين.
تصفني بعض صديقاتي بأنني أبالغ في تقدير الأشياء، تصفني أمي بأني أبالغ في ردود أفعالي وأصف نفسي بأني أبالغ في الحب وأبالغ في الكراهية، أشعر أن سبب هالة الحزن التي تحيط بي دائما أنني لا أجيد الكراهية الصافية، كل شعور بالكراهية لديّ يتخلله شعور بتأنيب الضمير أو شعور بالشفقة على الآخر أو شعور بالسخط على النفس والعالم.

تعودت على الخذلان، لكني لا أستطيع هجر الحب، أفكر كثيرا في كيفية حكم الأشخاص على أشخاصٍ مثلهم، أفكر في المعايير التي يتخذونها دائما، أنخرط في هذا التفكير أيامًا متواصلة. أسأل أصدقائي بلا أي مناسبة أسئلة غريبة مثل: “لو واحد أبوه مات وجاله أزمة قلبية وواحد جزمته اتقطعت وجاله أزمة قلبية هتزعل على مين أكتر؟”، فأجد في عيون أصدقائي دهشة لسؤالي المباغت يتخللها الإجابة التي أريد معرفتها.
لا أفهم ردود أفعالي الغبية وغير المتوقعة، لا أفهم كيف يضيرنا الخوف والحزن بالرغم من أننا ليس لدينا ما نخسره.

لا أفهم كيف للحزن أن يزول فقط بزوال سببه تاركًا كل هذه الآثار، لا أفهم كيف لنا برغم كل خيبات الأمل التي تعرضنا لها لا نستطيع التأقلم، لكني أفهم أن التأقلم ضعف ومرض يصيب الروح، وأفهم أنني لن أستطيع فهم العالم ولن يستطيع أحد غيري.

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك