اليوم : السبت 18 نوفمبر 2017

لا يمكن أن يندرج مقال أحمد المسلمانى عن القوة الناعمة إلا تحت تصنيف الكوميديا السوداء فشر البلية ما يضحك. كتب المسلمانى بفوقية تنبع من ضيق أفق جعله يحصر القوة الناعمة في السينما والدراما التليفزيونية، وكأن تلك القوة لا تشمل الموسيقى والأدب والفنون الجميلة، وهو بالتأكيد لا يعلم أن حتى الرقص الشرقي وطبق الفول وقرص الطعمية والخيامية والفخار هم لا ريب من دعائم قوتنا الناعمة فالرقص والطعام والموسيقى والكتب ثقافة.
وإن كانت الثقافة مع العلم هما ركيزتا القوة الناعمة، فقد جسدت الثقافة بمفردها على مدار عقود طويلة قوة مصر الحقيقية التى أكسبتها الريادة فى الوطن العربى والشرق الأوسط وإفريقيا بالطبع.
إن السينما المصرية التى نادى المسلمانى بضرورة فرض الوصاية على صناعها هى التى جعلت ملايين من المحيط إلى الخليج يفهمون اللهجة المصرية بل ويتحدثون بها أيضًا. ولعقود طويلة ترسخ فى أذهان المبدعين العرب جيلًا تلو الآخر أن المجد الحقيقى لا يتأتى إلا فى هوليود الشرق.
وما يدعو إليه المسلمانى هو محاولة لعسكرة للإبداع حيث يفرض على المبدعين ما يجب أن يقدموه لتتحول العملية الإبداعية إلى مجرد تنفيذ أوامر. إن حالة التجييش التى ينادى بها المذكور دومًا لا تقل خطورة عن الدور الذى قام به جوبلز فى عهد هتلر، والقياس مع الفارق بالطبع لأن جوبلز – رغم إجرامه- كان موهوبا وصاحب رؤية وليس مجرد بوقًا يظن أنه كل ما ارتفع صوته بالنعيق رضى عنه السادة.
تحدث الكاتب فى مقاله المضحك عن سينما الإسلام السياسي وكأن هناك شيئا بهذا الاسم! والفن عند المسلمانى رسالة مباشرة فجة يمكن تصنيفها وفقا لموضوع سياسي أو ديني، وبالتالي يمكن أن نعتبر “الكيف” فيلمًا من أفلام المخدرات –وهو بالطبع لم يكن كذلك بل كانت رسالته أعمق وأشمل- وفيلم “الكيت كات” فيلما عن إمبابة وفيلم “الخرساء” عن المعاقين. وتلك رؤية قاصرة ويعوزها المنطق فالتصنيف الوحيد للمخرجات الإبداعية يعتمد على مقومات النقد الأدبي والفني لا على منطلقات العلوم السياسية والعسكرية.
وإن كان مصطلح القوة الناعمة ظهر لأول مرة فى أدبيات العلوم السياسية فإن هذا لا يعني أن صناعة تلك القوة مسئولية السياسيين أو دورهم، فجل ما يفعله السياسي الناجح هو أن يستثمر موارد بلده الفنية والثقافية والعلمية، وإن أراد تدخلا فالصواب هنا أن يتدخل بإتاحة مزيد من الحرية والديمقراطية ليزدهر الفن وتورق الثقافة. فهل يملك المسلمانى شجاعة أدبية كافية ليصارح النظام بذلك بدلا من أن يتنمر على المبدعين ويطالبهم بالانبطاح أمام السادة لأنهم يعرفون أكثر؟
المضحك أن يأتي ذلك المقترح شيوعي الهوى من كاتب محسوب على التيار الليبرالي، وباستعراض النماذج المختلفة لعلاقة الدولة مع الإبداع عبر التاريخ سنعلم إن كان فرض وصاية السياسيين على المبدعين سيعزز قوتنا حقا أم أنه سيجعلنا مضحكة الأمم.
في القرن السادس عشر حكمت إليزابيث الأولى بريطانيا فأقامت العروض المسرحية في القصر الملكي ودعمت الفنانين ورغم أنها ابنة هنري الثامن الذي لم يترك شيئا إلا وتدخل فيه حتى شئون الكنيسة، وبرغم قوتها هى شخصيًا وتدخلها في شئون الدول الأخرى من خلال أسطولها القوي الذي تفوق على الأسطول الإسباني أقوى الأساطيل في ذلك الوقت، إلا أنها لم تجرؤ يوما على التدخل في العملية الإبداعية أو توجيهها. وعندما انشغلت إليزابيث بتقوية بلدها عسكريا واقتصاديا بدلا من الانشغال بفرض الوصاية على الإبداع بحجة أنهم في زمن حرب، ظهر وليم شكسبير ذلك الكاتب المسرحي العظيم الذي قال فيه الإنجليز إنهم لو خيروا بين نصف ممتلكات الإمبراطورية البريطانية وبين أعماله لاختاروا أعماله.
وقد شهدت بريطانيا نفسها حكم البيوريتان الذين أنهوا الملكية وأقاموا الجمهورية لفترة قصيرة فى القرن السابع عشر، وقد حاول أولئك المطهرون كما أسموا أنفسهم أن يطهروا الفن البريطاني فمنعوا أداء أدوار النساء تماما على خشبة المسرح، رغم أن ذلك الوقت لم يعرف الممثلات بل كان الممثلون الرجال يقومون بأدوار النساء ولكن البيوريتان رأوا أن مجرد ظهور الملابس النسائية هو تهتك وانعدام أخلاق. وقد تدهور الفن في عصرهم كما تدهور كل شيء حتى عادت الملكية مرة أخرى.
ورغم أن روسيا القيصرية ارتكبت كثيرا من الأخطاء ولكنها لم ترتكب خطيئة فرض الوصاية على الفن، فحلق الأدباء الروس بالرواية والقصة الروسية إلى السماء السابعة وكتب ديستوفسكى ِ “الجريمة والعقاب” وا”لمقامر” و”الإخوة كرامازوف” وغيرها، وتألق تولستوى فى “الحرب والسلام” وأبدع تشيخوف. وبعد الثورة البلشفية أتت أوامر السادة الجدد حيث تم تجنيد المبدعين لكتابة روايات عن الشيوعية والمصانع. وكانت النتيجة أدب ركيك وروايات مبتسرة.
لقد ذكر المسلمانى أكبر سوقين لصناعة السينما في العالم الآن وهما هوليود في الولايات المتحدة الأمريكية وبوليود في الهند ولكن فاته أن يذكر أن الهند والولايات المتحدة هما أكبر نموذجين للديمقراطية في العالم، حيث لا يوجد هناك من يملي على المبدعين ما يجب أن يفعلوه، وحيث يتم انتقاد الشرطة والجيش والسياسيين ورجال الدين في السينما دون أن يخشى المبدعون من مقص الرقيب وقسوة بعض أصحاب الأقلام ممن سيثورون لأسيادهم إن رأوا انتقادا في فيلم ما فيسنون أقلامهم وألسنتهم مطالبين بفرض الوصاية على صناع السينما.
حفظ الله مصر من أمثالك يا أخي.

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك