اليوم : السبت 18 نوفمبر 2017

كتب تحمل صفحات بالية تلتحف غبار السنوات، كلما صادفت ما بها من أفكار ازدادت فجيعتي، أتوقف عند مطالعة كتب التراث الإسلامى وأتذكر كم كان ولعى وإيمانى بها قبل أن أطالعها بنفسى للمرة الأولى، عندما حكوا لنا عن ما بها من روائع الفكر ومكارم الأخلاق وبضع روايات مقتضبة ظننا حينها أن هذا هو التراث وهذا هو الدين، لذا اعتدنا أن نمشى فى الطرقات مختالين رافعين رؤوسنا ننظر للسماء، تلك السماء التى ظننا أن ما سمعناه من طيب الكلام نزل منها على كل من فى الأرض ليهبهم السلام والسكينة والرحمة مجتمعين فى دين، وأنه من حسن حظنا أننا قد ولدنا على هذا الدين أو هذا ما حسبناه.

والآن، بعد مطالعة كتب التراث، صرت صامتة مغشيًا على أفكارى وصار لسكوتى صوت القهر والغبن، بعد اقترابي من الكادر بضغطة الزووم المدهشة التى اعتقدت أنها سوف ترينى الجمال والسلام والرحمة عن قرب. صدمتنى عيناىّ ولم تتحملنى قدماىّ المرتعشتان وهنًا وخجلًا عن كل ما لم أكن أعرفه من قبل، ضاقت بىَّ الأرض بما رحبت ورغبت لو تخلصت من هذا الإرث اللعين وما به من مئات الأحاديث والروايات المخجلة المسيئة، والتى تحض على الكراهية ونبذ الآخر وقتل مخلوقات الله وتحقير المرأة وتهجير الأبرياء، مئات الأحكام الفقهية العنصرية التى تعزز البغض والتمييز ورفض الآخر.

هل هذا هو الحق؟ هل هذا هو الإرث الذى نحمله فوق أكتاف قلوبنا منذ أن ولدنا؟ لمن أترك هذا الإرث ومعه عزائى وأسرار تمنيت لو لم أعرفها فى يوم من الأيام؟ لماذا ظننت يومًا ما أن هذا التراث يحدد هويتى ويؤرخ لذاتى؟ هذا التراث الذى لم ألحظ أبدًا كم يشبه الأصابع المشدودة التى جاء اليوم لتصفعنى صفعة لها طعم الخيبة والخذلان، هذا التراث الذى يحتضن دومًا العنكبوت ويبقيه فى ضيافته لأن مغادرة هذا العنكبوت معناها أن يأتى زوار آخرون يفتحون الكتب ويقيمون فى سطورها فينكشف كل ما تم تصديره لنا على أنه الحقيقة فى غمضة كتاب، فتموت النصوص بسكتة فكرية مباغتة، بينما حامليها ووارثيها غير مدركين أن تلك النصوص لم يكن لها بالأصل أى علاقة بالحياة ولا بالإله.

لا يجب أن نحزن إذن، فنحن كما ستائر لهذا التراث نحميه من ضوء الشمس وكشف الحقيقة، وإذا ما فتحنا تلك الستائر سينقشع الظلام حتمًا أو هذا ما أظن، لو لم تحصدنا قضايا ازدراء الأديان واحدًا تلو آخر، لكن لعله الأفضل لو حصدتنا قضايا ازدراء الأديان واحدًا تلو آخر.. هذا أفضل من أن نعيش فى خيباتنا دون صوت، فبعد أن عرفنا الطريق إلى هذا التراث المهجور لا يمكننا الرجوع منه بهذه البساطة، لا يمكننا الرجوع إلا بعد أن نلملم الخيبات التى تحمل فى قلب كل منها أصوات الغائبين ومزايدات التاريخ الخالية من الصدق والحياة، لا ينقصنا كى ننتفض لأنفسنا سوى ثقة القرار ووضوح الرؤى، وعلينا أن نتوقف عن مفاوضة أنفسنا خوفًا من الخزى والعار الذى ستخلفه الحقيقة وراءها لأنها رغم كل شئ “الحقيقة”، وستظل الحقيقة، لن ينير لنا الطريق سواها ولن تنفعنا المصابيح التراثية الشائخة الصدئة ولو بقينا على تمسكنا بها سنلقى حتفنًا قريبًا فى الظلام، أما أنا فأفضل الموت تحت أشعة الشمس.

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك