اليوم : الأربعاء 20 سبتمبر 2017

أجرت الحوار: مي فرج

لم أواجه على مدار كتاباتي صعوبة في اختيار الألفاظ التلقائية التي تعبر عن انطباعي حول الشخصية وفكرة الطموح التي أعبر عنها، كصعوبة ترجمتي للشخصية محل الحديث بل والتأمل اليوم.

بالفعل -كما لو كنت مخرجة لعمل فني- فكان بالنسبة لي دوما الإحساس القوي بالشخصية سببا مقنعا ودافعا محترفا لترجمة جمال القصة التي تقف وراء صناعة نموذج شاب ما، ولكن تلك المرة لم استطع الاصطفاف في واجهة قصة اليوم كمخرج، لأن صاحب القصة قد احتل بإصراره، عنف تحديه بل وثقته المستمرة كافة المناصب، حتى على مستوى أعماله الفنية كان المخرج وصاحب الفكرة يتنحى جانبا، نظرا لسيطرة موهبته باحترافية تخدم جمال المنتج نهاية.

شريف جلال، الاسم الذي تردد لسنوات في القسم الإنجليزي لكلية الحقوق بجامعة عين شمس، وأنا بالجور حظيت بفترة مراقبة الأقاويل والإشارات بنفسي كطالبة بنفس الكلية حول هذا الشاب. “حامل الجيتار في القاعات”، “أبو ديل حصان”، وصولا إلى “فنان الجامعة” وهو بالفعل ما كان يميزه طوال فترة دراسته هناك أو على الأقل كان هذا المميز له، حتى ظل كذلك لحين أن اكتسب شهرة واسعة في نطاق الجامعة بأكملها. ولكن لم يكن هذا التميز أو “الاختلاف” بمنأى عن أي انتقاد، بل وتوبيخ، وصولا إلى الهجوم من بعض أساتذة الجامعة، إن لم يكن بخصوص ما اشتهر به من مظهر خاص بتسريحة شعره قد يكون بسبب ما يقدمه من فن تحديدا.

– شريف: “دكتور مادة المرافعات نده لي مرة في مكتبه وقالي: أنت إيه اللي “بتهببه ده يا ابني”، وكغيره من المحاضرين المتفاوتين في التفاخر أكمل توبيخه لشريف بـ: “أنا في سنك يا ابني كنت جايب 97% في الثانوية العامة. وكنت علمي كمان مش أدبي، وعملت ماجيستير وكنت هتعين في النيابة، أنت عارف أنا باقدم كام محاضرة في اليوم والمحاضرة مدتها قد إيه؟ أنا درست في أحسن جامعات وأنا في سني ده ولسه ماعجزتش”

إلى آخره من هذا النوع من التوبيخ وليس النصيحة. فعليا لم تكن نصيحة البتة، لأنني على علم بهذا الأستاذ الأكاديمي تحديدا، لكن ما لم أكن أعلمه هو السبب وراء هذا التوبيخ. والذي سنعود إليه في نهاية سطورنا!

قمت بتخصيص لقائي مع عازف الجيتار شريف جلال في الاستوديو الخاص به في منطقة روكسي بمصر الجديدة بالقاهرة، شريف الذي يتمتع بذوق في الاستقبال ومرونة التعامل، لم يمنعه هذا من الحفاظ على جزء مميز جدا ومختلف من شخصيته. وهنا اكتشف أنني افتقد للمزيد من المصطلحات اللغوية لتوصيل جوهر شريف للقراء والجمهور، فمن موسيقاه التي تتحلى بالصمت والغضب، فضلا عن اختياره لتفاصيل الاستوديو الصوتي الخاص به -في ذهني- قد وصفته بالبوهيمي! ولكن هذا لم يكن دقيقا. فعدت للاستماع إليه -وفقط- وحماسه في الحديث عن طموحه وخططه. فأثناء التجوال المشترك في الأستوديو الذي يتسبب ببساطة مساحته، قام شريف “بتعريفي” على ممر ضيق جدا يرغب في عمل مشروع به، ولم يكن مجرد أنه يفكر بهذا المشروع بل بالفعل بدأ في تنفيذه، وهو عبارة عن جزء خارجي ضيق جدا بين حائط الاستوديو وحائط المبنى المجاور له يعمل على تخصيصه لتبني ورش تعلم الموسيقى والتي بفكرته وتفاصيلها – التي لا ارغب بحرقها على الجمهور كي يتفاجؤون بفعاليتها –تحمل الكثير من الطموح بل والكثير من التنفيذ الفعلي والمحترف لهذا الطموح.

وهو ما تأكد لي عندما شاهدت بقية الاستوديو، حيث إنه خصص له غرفة لتدريب الفرق وعمل البروفات الموسيقية بها، وغرفة أخرى للتسجيل الصوتي! وهو ما اكتشفت منه لاحقا أن شريف ليس مجرد عازف جيتار بل:

 

– شريف أنا عارفاك واسمع عنك من أيام الكلية. ودي كلية صعبة، إيه اللي وداك للموسيقى أو إيه اللي وداك للقانون أصلا طالما أنت موسيقي؟

– أنا أهلي كلهم بيشتغلوا في القانون. ماحدش فيهم فنان أو له أي علاقة بالوسط، بدأت مزيكا من سن متأخر فعلا وده حصل لما قريبي “أمير” كان بيلعب جيتار، فلفت نظري إني مجرد أجربه، ده غير بقى إن أختي دارسة تربية نوعية، فرحت مرة احضر حصة لتعليم الجيتار. مبدئيا عشان تكوني فاهمة، كليات الموسيقى في مصر بتطلع بهايم!

(مبتسمة قليلا)

– لأ بصي أنا باشتم، والناس كلها عارفة إني باشتم. ده غير إن الكل عارف رأيي ده، وده مش من فراغ، فكرة تعليم الفن في مصر لسه ماجتليناش خالص. زي الدكتور اللي في الكلية لما قالي: إيه اللي باهببه ده؟ وفضل “يتمنظر” عليا بشهادة الدكتوراه بتاعته وعدد اللي بيدرس لهم وأهميته للطلبة بتوعه! إنما التعليم الموسيقي كمان في مصر ضايع.

في بدايتي روحت لمدرس موسيقى، تخيلي كان عايز يعلمني فان جوخ وبيتهوفن. قلت ما بدهاش بقى، وفعلا قررت اتعلم مع نفسي، ومن هنا اعتبرت نفسي self made artist كل يوم لازم اقرى 3 ساعات في الموسيقى، دورات وورش على النت ومذاكرة كل يوم.

– لكن خلينا يا شريف نرجع نقطة لورا شوية. إمتى عرفت إنك عايز تكمل في الموسيقى و‘ن ده اللي هتعمله بقيت عمرك؟

– آخر سنتين في الجامعة بدأ الشغف. وأول جيتار جبته وكنت عايزه وقاري عنه كتير، حتى أمي بالرغم من إنها أكاديمية برضه بس كانت مشجعة الفكرة جدا، بالمناسبة أنا ماحدش ساعدني في حياتي إلا أمي!

المهم كان الجيتار في أيدي ومعايا طول الوقت، ورد الفعل هو اللي لفت نظري بالرغم إني كنت معروف بـ”اللي مطول شعره” أو “أبو ديل حصان” أو “أبو جيتار”، لكن طلبة من اللي كانوا معايا في الكلية كانوا بدأو يحضروا لي حفلات في Cairo Jazz Club ووقتها وبسبب شغلي على نفسي بقيت اتعرِف واتعرَف على فرق موسيقية كتير وبقيت مش بس عازف جيتار، كمان music production واشتغلت كتير sound engineering مع فرق زي ما قلنا وسط البلد مثلا!

– بس أنا شايفة إنك بتشتغل مع أسماء كبيرة بنوع معين من الموسيقى، ده يخليني أسألك: إيه رأيك في سوق ومستوى الموسيقى في مصر دلوقتي؟

– ناس كتير شغالين كتير لكن عندهم عيوب بشعة وأخطاء كبيرة سواء في صوتهم أو في عزفهم. يعني عارفة مين أكتر مطرب يتقال عليه مطرب بجد وحنجرته ماجاش زيها؟

– مين؟

– عبد الباسط حمودة

(معقبا على نظرة استغراب اعترتني)

– أيوة. عبد الباسط عنده عرب عبقرية قادر يتحكم فيها ويحطها في مكانها الصح وقت ما يحتاجها غير أي حد تاني!

 

– اشتغلت إيه يا شريف غير أغاني؟

– فعلا أنا آخر حاجة كنت عاملها كانت إعلان Ikea بتاع تحدي المفروض. استني اسمعهولك

 

– الملاحظ جدا من الإعلان إن الموسيقى هي من تقود فكرته برمتها، فتحولت إلى موسيقى إخراجية وتعبيرية في نفس الوقت، أثناء استماع شريف للموسيقى يبهرك بطريقة تمايل رأسه على كل أيقاع، ثبوتها ساكنة وقت الانتقال من نغمة للأخرى. مقاطعته لتأملك هذا بـ: “اسمعي الــ(تيك) دي”، “خودي بالك من اللي جاية”، “شفتي دخلنا الـafricano من غير ما تحسي إزاي؟ ” شريف دون أن يشعر يتحول من بوهيمي غاضب عصبي طليق التعبير عن الواقع السيء، إلى حساس مهموم وأيضا سعيد بجزء من نغمة صنعها باختلاف! تحول لحظي لأول مرة أعجز عن وصفه، مما يضعني في مأزق كاتبة!

ينهي المقطع ويكمل: اشتغلت كمان في مقدمة برنامج “عبدول” على الـ”Facebook” ومن الحاجات اللي انبسطت بيها كمان هي أغنية الدولار مع شادي أبو زيد ووائل إسكندر:

رابط الأغنية هنا

يقاطع الحوار اتصال تليفوني لشريف من خارج مصر، يخرج من الغرفة ثم يعود مبتسما جدا:

– طب ده خبر حلو قوي. واحد من الشركات الكبيرة في إنتاج أدوات الموسيقى كنت عامل عندهم order واتصلوا بيا إنه هيوصل خلال أيام، بس المختلف إنهم لما عرفوا إني Musician وطالب المعدات دي عشان اشتغل عليها هنا، قدموا لي خصما، ودي حاجة مابتحصلش كتير!

 

تناولت النقاش معه حول كيفية الترويج لهكذا خطوة، ونال الحوار الكثير من التفاعل والأفكار المتبادلة، فوقتما انطلقت مني فكرة وصلت إليه ليقوم بدوره بإضافة التعديلات وهكذا بالعكس!

انهيت لقائي مع شريف على أمل لقاء مرة أخرى، وانطلقت خارج الاستوديو.

 

بعد أيام معدودة ظللت أفكر في مدى الغضب الذي يستمد منه شريف طاقته لإنتاج من هذا النوع، فهو شاب لم يكن يمتلك من العلاقات أو حتى الخلفية الأكاديمية ما يؤهله للوصول لتلك الموهبة، بل كل تلك الموهبة الشهيرة بين الأسماء الموسيقية المعروفة. ومن هنا تذكرت الأستاذ الجامعي الذي أخذ يوبخ ويقلل من قدر ما يعمله شريف، ولكن شريف اختلف عن تفكيري كثيرا عندما قرر العمل يوميا على قدراته بل واكتساب المزيد منها من خلال القراءة والتعلم الموسيقي عن بعد، الأمر الذي عكس نتيجته بقيام شريف بتدريس الإنتاج الموسيقي في واحدة من أهم الجامعات والتي تقدم خدمات أكاديمية ومعرفة بحق. تلقى شريف دعوى من الجامعة الألمانية لتدريس الطلبة هناك فن الإنتاج الموسيقي، والمبهر حقا رد فعل الطلاب هناك من التعلم على يد محاضر كشريف.

“الجامعة اللي مقدرش دكتور زي ده يدخلها، أنا درست فيها وأنا كنت عارف يوم ما قال لي اللي قاله إني هاعمل ده في يوم!”

 

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك