اليوم : الأربعاء 26 يوليو 2017

 

حوار أجرته: مي فرج

كإحساسك يا زائر القاهرة، وقلبها عندما ينتابك ذلك الإحساس بلا سابق تمهيد أو حتى توقع منك وقت تخطيتك لزيارة وسط القاهرة تحديدا: “في حاجة كدة مش عارف ألقطها.. الناس اللي ماشية في الشارع، الزحمة، الدوشة….”، يقول خالد: الشخصية الرئيسية بالفيلم والذي عُنون بـ”آخر أيام المدينة” وليس أولها عزيزي الزائر الجديد، ذلك العنوان الذي يعود خالد  ليكشف خباياه قائلا:
“بس أنا أصلا مش عارف إذا كنت باحب الحاجة دي ولا باكرهها”!
ومن هنا اختار المخرج تامر السعيد هذا الإحساس المتردد بين الشوق للمدينة وفراقها.. عنوة، جمال معمارها وخدوش روحها.. لما شهدته -أو ستشهده- من أحداث، التردد بين البقاء والرحيل.. ليس الرحيل للنفس بل رحيل نفس الغاليين، حركة التأرجح بين السكون والرغبة في النجاح.

 

 

سيطر هذا الإحساس كثيرا على مشاهد “آخر أيام المدينة” عندما رصد الفيلم في قصته التي هي من تأليف تامر السعيد ورشا سلطي قصة مخرج شاب يحيا الثلاثينيات ولم يصنع حتى تاريخه فيلما واحدا كما يتمنى، ويسعى لتصوير أول تجربة إخراجية له في قلب القاهرة حيث الكثير من تفاصيل الجمال في تاريخها ومعمارها، ثم الكثير من الأحداث التي لم تكن بمنأى عن الخيال بالرغم من تناول فكرة الثورة قبل تحقق أحداثها في عام 2011، فالفيلم الذي صور بين عامي 2009 و2010 ليتم إنتاجه في 2016 بدأ تامر السعيد العمل على فكرته ومحتواه منذ عام 2006، ومن هنا كان أساس حواري مع السعيد حول الفكرة والظروف المحيطة بصناعتها، بل تناول مناقشة قصة “خالد” التي ترصد حياة الكثير من الشباب حينها، امتدادا إلى وقتنا الحالي:


– تم تصوير الفيلم في عام 2009 ولكن إنتاجه تم في 2016، فما الفرق بين الإنتاج والتصوير؟ وما كواليس هذه الفجوة الزمنية؟
الفيلم أتصور في 2009 و2010 وأنا بدأت التفكير فيه من أواخر سنة 2006، في أسباب كتير خلت الفيلم ياخد وقت ممكن الناس تعتبره وقت طويل.. أنا مش باعتبره وقت طويل، أنا باعتبر إن الفيلم أخد الوقت اللي محتاج له، لكن أسباب الوقت ده كانت منها إن نوع الطموح المتواجد عندنا وقت عمل الفيلم كان أكبر من إمكانياتنا المادية.. مش بس كده، لا كمان أكبر من إمكانياتنا من ناحية عدم وجود بنية تحتية تخلي بناء الفيلم يكون بالطريقة اللي إحنا عايزينها، فجزء كبير من الطاقة والمجهود والوقت كانوا بيروحوا في إننا بنحاول نكوِن بنية تحتية تسمح إننا نعمل الفيلم بالشكل اللي نطمح له، على مستوى نمط الإنتاج، الاحتياجات التقنية للفيلم وبرضه من ناحية الميزانية.. ميزانية الفيلم ماكانتش متوفرة من البداية، هي ميزانية خلتنا نصور ونوقف عشان ندور على فلوس ونرجع نصور تاني وده تحديدا أخد وقت طويل.


– ومن الناحية الكتابية، كأي صانع فيلم محترف بل ومحترم لتفاصيل العمل الفني، ضف على ذلك جمعه بين تأليف وإخراج العمل الفني، اهتم السعيد كثيرا بالتأكيد على أن:
“الفكرة في الفيلم نفسه إن ماكانش وراه سيناريو “مقفول” وإحنا بننفذه بقدر ما كان فيه فكرة إننا نبدأ فكرة وتتطور أثناء صناعتها، وده بيخلي طموح الفيلم نفسه يتطور أثناء صناعته، وده بيكون شيء مختلف وجديد عن إن الواحد يكون عنده سيناريو منتهي ويبدأ يشتغل عليه وينفذه، يعني مراحل الفيلم في طريقة الصناعة التقليدية بتبدأ بتطوير الفكرة وبعدين استكمال السيناريو، والبحث عن مصادر للتمويل وبعدين إعداد الفيلم وبعدين التصوير، المونتاج ثم مرحلة الـ Post Production، في حالتنا إحنا المراحل دي كلها كانت متداخلة.. يعني إحنا كنا بنصور وبعدين كنا بنشتغل على السيناريو، ونرجع نصور تاني ونوقف عشان ندور على فلوس، ونبدأ جزء من المونتاج ونرجع نكمل تصوير.. يعني ماكانش بالترتيب التقليدي وده اللي كان طالبه الفيلم، بمعنى إنه عشان نفضل مخلصين لفكرة صناعته كان لازم نعمل كده”

 

 

تعمد السعيد وفريق عمله اللجوء إلى سياسة الأريحية في صناعة الفيلم لإعطاء تفاصيل الصناعة سواء أمام الكاميرا وما يراه المشاهد أو تلك التفاصيل الأخرى الخاصة بالناحية التنظيمية الجرعة الأقوى من العناية والدقة، مما يعكس اهتمام وحرص السعيد على فكرة الفيلم، هذا الحرص بل والأريحية التي انتقلت من السعيد ليكتشفها في بقية فريق العمل كأساس تنفيذ الفكرة التي بدأت في طريقة اختيار فريق العمل عندما اكد قائد العمل على أن:
“وبخصوص الوقت برضه في رأيي إن أهم حاجة في صناعة الفيلم هو إنك تعرف مين هما الشركاء اللي الواحد يشتغل معاهم، هما دول اللي بيعملوا الفيلم، إيجاد فريق عمل مؤمن بالعمل ومستعد وقادر على تحمل مشقة وصعوبة صناعته ماكنتش خطوة سهلة وخدت وقت طويل في إن إحنا نلاقي الناس المظبوطة اللي نشتغل معاهم وكمان إنهم يقدروا يضبطوا أوقاتهم على أوقات الفيلم في ظل إننا كمان ماكانش عندنا مصادر مالية بحيث إننا نقدر ندفع لهم أجور عالية، فده طبعا كان بيخلي الوقت يمد بشكل مختلف وكبير”
“بالإضافة طبعا إلى ظروف وصعوبات العمل في بلادنا مش سهلة قوي.. مابتسمحش للإنتاج المستقل المتواجد برة المنظومة وبرة صناعة السينما المعتادة إنه يمشي بوجود أي حاجة تدعمه، لأنه دايما معتمد على إن في جهود ذاتية بتدفعه وده اللي بيتحكم في النوع ده من الصناعة السينمائية وبياخد منه وقت كبير”

 

وبعد رؤية البعض أن الفيلم تنبأ بقصته –أو بمعنى أدق من خلال أحداثه- بثورة 25 يناير وبالمصادفة القدرية أنها كانت أحد أسباب استغراق العمل لمدة كبيرة للتصوير والإنتاج بعد البدء فيهما في عام 2009 – 2010، مما أهّل الفيلم نتيجة لامتزاج كلا المصادفتين لدخول مرحلة إبداعية جديدة تعزل اختلافه وإنفراد المحتوى عن أي مؤثرات، حيث إن:
“ظروف البلد نفسها واللي حصل فيها! يعني إحنا بعد أسابيع قليلة من انتهاء التصوير قامت ثورة 25 يناير.. دي كانت لحظة فارقة كده، وأخدت مني أنا شخصيا سنة عشان أرجع وأقعد اشتغل على الفيلم، فالسنة الأولى دي كانت لحظة مهمة إن بلدنا بتتغير وأنا كان لازم بالنسبة لي أشارك لأنه مستحيل في وسط اللي بيحصل ده كله الواحد يقول أنا هاسيب كل ده وأقعد اشتغل على مونتاج.. كان صعب جدا، بالعكس كنت حاسس إنها لحظة مش هتحصلي تاني في حياتي ولازم ابقى جزء منها.. وبعد انتهاء الفترة دي لاقيت إن كلنا كنا مستنيين حاجة كبيرة هتحصل وماحدش عارف إن الحاجة دي هتحصل ولا لا، وبالفعل الفيلم اتمنتج بعد الفترة دي، ده غير فكرة إن الواحد يفضل مخلص للحظة.. لحظة صناعة الفيلم ومايتأثرش بكل اللي حصل بعد كده بمعنى إن المتغيرات السياسية والاجتماعية اللي كانت بتحصل كانت ممكن تأثر على الأقل على طريقة رؤيتي انا لأحداث الفيلم، وأنا كنت باحاول طول الوقت إني أفضل مخلص للحظة صناعته وماتأثرش باللي حصل بعد كده.. وده كان بيتطلب مجهود كبير”

 

– يتناول الفيلم زوايا عدة من الحياة، فهو يسلط الضوء على إحباط شاب في تصوير أول فيلم له في سن الـ 35، وتوتر علاقته العاطفية بحبيبته التي تعمل على ترك البلاد، الخوف الأكبر من ضياع الأمان المتمثل في مرض الأم، وأخيرا الحديث عن أوضاع البلاد الذي انعكس في التركيز على منطقة وسط البلد.. فبم تصف الفيلم (سياسي ناقد، اجتماعي درامي، وثائقي)؟
هو سؤال في محله، لكني مابصنفش الفيلم، لأن فكرة صناعة الفيلم إنه بيحاول يشيل فكرة التصنيفات، هو فيلم معمول في المنطقة الرمادية ما بين الروائي والتسجيلي، لكن باحس إن التصنيفات هي عمل النقاد أكتر، بالنسبة لي الفيلم هو فيلم.. هو طريقة للتعبير بالصوت والصورة عن موقف من العالم، وبالتالي معانديش تصنيف محدد اشتغل على أساسه ولا بافكر وأنا باشتغل إني باعمل فيلم اجتماعي أو سياسي، باحس إن الأفلام لازم تبقى شايلة وشاملة كل حاجة”

 

– هل تعتقد أنه لو تم عرض الفيلم قبل الثورة، كانت ستصل وقتها للجمهور فكرة الطموح والإحباط الذي تم رصده بنفس الدرجة الموجودة في شخصية البطل”خالد”؟ أم أن الوضع الحالي في 2016-2017 كان عاملا مساعدا في إيصال هذا الإحساس بشكل أقوى؟
الحقيقة مش عارف لو الفيلم اتعرض قبل الثورة كانت الناس هيبقى رد فعلهم إيه، لأنه حتى الناس في مصر ماشافوش الفيلم لأنه ماتعرضش في مصر لسه للأسف، لكن أنا كنت باحاول أعمل فيلم مايكونش مرتبط بفترة زمنية معينة ولما الفترة تخلص يبقى الفيلم outdated، كنت باحاول أعمل فيلم مش مرتبط بمناسبة أو فيلم لحقبة زمنية محددة لأن في رأيي إن الأفلام الجيدة المفروض تعيش وتتشاف وتعمل صدى مع الواقع اللي حواليها حتى لو ظروف الواقع دي اتغيرت، ده اللي حاولت أعمله، وعلى مدار السنين اللي اتعمل فيها الفيلم كان في أكتر من نسخة للفيلم، وفي كل نسخة باتفرج عليها كان بيبقى صداه مع الواقع مختلف لأن ظروف الواقع بتبقى مختلفة، وأنا أتمنى أن يفضل يبقى له صدى مختلف مع الواقع، في رأيي إن ده دور الفيلم الجيد.. إن الفيلم ماينتهيش بانتهاء الفترة أو الحادثة المرتبط بيها”

 

– كشاب في العقد الثالث من عمره يسعى في مجال صناعة الأفلام القاسي جاهدا لصناعة أول فيلم كامل، هل “خالد” هو تامر السعيد بنفس الصفات الشخصية والظروف التي عاشها في الفيلم؟ أم هناك إضافات؟ أم أنها شخصية مختلفة تماما؟
الفيلم مابيحكيش سيرة ذاتية، وماظنش إن في حياتي ما يستدعي أن يتعمل عنه فيلم، لكن الفيلم نفسه مابيحكيش عن البطل نفسه.. إحنا مانعرفش عنه كتير جوة الفيلم، بالنسبة لي خالد هو مراية بنشوف منها الواقع، بتعكس الحاجات اللي حواليه، أكيد في حاجات من خالد ليها علاقة بيا وده طبيعي لأن بيتهيألي إن كل مخرج بيكون عنده علاقة بالشخصيات اللي بيتكلم عنها وباعتبر إن “آخر أيام المدينة” فيلم شخصي، لكنه مش سيرة ذاتية، لما باتفرج على الفيلم مابشوفش نفسي، لكن باشوف المشترك ما بيني وبين “خالد”، بس كمان “خالد” نفسه شخصية خيالية، شخصية فيها حاجات مكتوبة ومؤلفة وكمان فيها حاجات الممثل “خالد عبد الله” أضافها من روحه، وده المهم لأني باحب لما اشتغل مع الممثل يحصل تعاون إن إحنا الاتنين نضيف زي بعض للشخصية، يعني أنا عايز أطلع حاجة ومن المتوقع إن اللي قدامي عايز يطلع حاجة من روحه، فده اللي بيشكل الشخصية.. فبالتالي “خالد” لما باشوفه على الشاشة بالاقي فيه حاجات مني، لكنه مش أنا.

 

 

– صرحت سابقا أن جميع الشخصيات الواردة في الفيلم هي شخصيات حقيقية في حين أن شخصية “ليلى” الفتاة التي يحبها “خالد” وتسعى لترك البلاد هي الشخصية الوحيدة المبتكرة، فلماذا هذا الاستثناء؟
يمكن قصدي وقتها ماوصلش بالضبط، أنا اللي كنت اقصده إن كل الشخصيات مثلت نفسها، يعني زي ما قلنا إن الممثلين أضافوا من روحهم ونفسهم للشخصيات ماعدا اتنين كانوا ممثلين بيمثلوا شخصيات روائية وهما “خالد” و”ليلى”.. هما شخصيات ليهم أصول في الواقع، لكن مش بيمثلوا نفسهم جوة الفيلم، فـ”خالد” بيمثل الشباب اللي مش قادرين يمثلوا طموحاتهم، مشاكل خالد هي أنه شخص بيحاول يعمل شغله مضبوط جوة مجتمع مش مساعده إنه يعمل كده.

أنا فاكر إن “خالد عبد الله” الممثل كان بيقول إنه لما كان بيفكر في “خالد” كان بيشوف إنه دكتور مش قادر يعمل شغله في مستشفى بالطريقة المظبوطة أو مثلا مدرس مش عارف ينفذ مهام شغله كما ينبغي لأن المجتمع المحيط بيه مش سامح بكده، فخالد شخص بيحاول يأدي وظيفته بالشكل اللي مؤمن بيه، لكن الظروف المحيطة بيه مش سامحة، وأظن ده اللي بيواجهه ناس كتير.

 

– قد يكون سؤال مخادع قليلا، ولكن ألا ترى أن سن الـ35 هو سن كبير لشاب لم يتمكن من صناعة فيلم واحد طيلة حياته؟ بعبارة أخرى، هل تجد أن الكثير من الشباب ممن وصلوا لسن الثلاثين لازالوا يواجهون هذا الكم من المعوقات التي تمنع تحقيق بعض من طموحهم؟ أم كانت صيغة مبالغة بسيطة للتمكن من إيصال حجم ما يشعر به الشباب من إحباط؟
طبعا إحنا هنا بنتكلم عن صناعة الأفلام الطويلة.. الحقيقة أني مثلا عملت فيلمي الطويل الأول وأنا عندي 44 سنة، فانا مش عارف هل بالغت فعلا في اختيار سن 35 على أنه سن كبير أو صغير لصناعة فيلم طويل، هو طبعا عمره 35 سنة مش كبير لو بنتكلم عن شاب بيحاول يعمل فيلمه الطويل الأول، لكن داخل منظومة التيار السائد في صناعة السينما، لكن لو هنتكلم عن حد بيصنع فيلمه بشكل مستقل فالرقم مش كبير، طبعا السن ده مرتفع في مصر عن أي بلد في الدنيا، يعني كل الأفلام الأولى للمخرجين المصريين صنعوها في سن كبير مع استثناءات قليلة جدا ليها ظروف محددة بتحكمها، لكن أنا مش شايف إن الرقم كبير حتى في الصناعة.. معظم برضه الجادين جوة الصناعة أفلامهم الأولى بدأت في سن متأخر عن الـ35.

عموما صناعة الفيلم الأول هي حاجة صعبة في العالم كله، بس هي أكيد أصعب في بلادنا من الموجود في أوروبا أو أمريكا لأن مصادر التمويل ومصادر الدعم وحتى إنه يكون في هامش متاح للأفلام اللي بتنتج برة التيار السائد محدود جدا في بلادنا. كمان فكرة إن الواحد يكون عايز يصنع الفيلم بالطريقة اللي هو عايزها مش بالطريقة اللي السوق عايزها أو اللي الصناعة عايزاها، دي حاجة صعبة وبتاخد وقت طويل.

 

يحاول “خالد” طوال أحداث الفيلم التقاط مشاهد فيلمه وتصوير كل ما يراه، أملا في صنع فيلمه الأول، ومن ضمن لقطاته ما يجري من حوار بينه وبين صديقيه من بلدين عربيتين مختلفتين، فهل تواجد حوار بين شباب من ثلاث دول عربية مختلفة يروون فيه قصص بلدانهم شكل عقبة في الكتابة، تحديدا مع رغبتك في تسليط الضوء على الوضع المصري ومحاولة إظهارك لمنطقة وسط البلد تحديدا؟
مافتكرش إنه كان عقبة، بالعكس ده كان بيساعد، لأن جزء من الفيلم مرتبط بمحاولتنا إننا نشيل الحدود الموجودة بين المدن دي ونشوف إزاي بالرغم من الصورة الخارجية اللي بتعكس وجود اختلاف بينهم، لكن في الحقيقة وفي العمق في هم مشترك بينهم.

الفيلم -في تصوري- فيه محاولة إننا نطلع من الخاص للعام، فبالتالي الوسع ده وإننا نتكلم عن علاقتنا ببعض جوة المنطقة دي اللي عايشين فيها وإزاي في أمور كتير مشتركة ما بيننا كأشخاص من نفس الجيل ونفس المنطقة، أظن إنها كانت محاولة مهمة جوة الفيلم.

 

 

– ما الدافع وراء فكرة الفيلم؟ هل هو الإحباط من الأوضاع والحزن على المدينة؟ أو التنبؤ بقيام الثورة أو حتى تمني حدوثها؟
الدافع وراء صناعة الفيلم كذا حاجة، أولا إني كنت باسأل نفسي: هل الواحد ممكن يعبر عن مدينة جوة فيلم خلال ساعتين؟ وإزاي ده ممكن يحصل بدون ما نكون بنبسط الأشياء بطريقة سطحية؟ وهل ممكن نفضل مخلصين للتعقيد الموجود في محاولاتنا للكلام عن مدينة كبيرة زي القاهرة، علاقات وطبقات معقدة جدا من الصعب الواحد يبسطها ويسطحها؟ ولا ده مش ممكن؟ هل ممكن يحصل عن طريق فيلم؟ بمعنى إنه يكون فيلم بيستخدم الصوت والصورة بطريقة مبتكرة للتعبير عن موقف من العالم، كمان كان في دافع له علاقة بالتساؤل اللي بيحيط بالواحد لما يقرر يعمل فيلم، وإيه نوع السينما اللي عايز يقدمها وإنه يكتشف اللغة اللي عايز يستخدمها.. لغة السينما اللي هيستخدمها، ويشوف قادر يعبر عنها إزاي.

أنا طول الوقت مشغول بالمنطقة اللي قلنا عليها، اللي بين الفيلم الروائي والفيلم التسجيلي، وهل نقدر نحافظ على الحاجة الحقيقية من الواقع لما بنعيد تمثيلها، كمان الدافع مرتبط بالوقت اللي قبل الثورة والإحساس إن في حاجة كبيرة هتحصل.

أنا مكانتش عارف إن في ثورة هتحصل ولا كنت قادر اتمنى أو ماتمناش ده، بالعكس العلاقة باللي جاي ده ماكانتش متواجدة لأن الواحد على قد ما كان بيتطلع للتغيير ده، على قد ما كان خايف إن التغيير ده يدمر الحاجات اللي هو بيحبها، فالعلاقة دي كانت علاقة مرتبكة.

كمان كان في أحداث شخصية.. يعني موت أبويا في 2005، وإني فقدت عدد من الأصدقاء في حريق مسرح بني سويف في 2005 برضه.. إحساسي إن الوقت بيجري وإن الشعور بالفقد ده، أنا عايز أطلعه في فيلم كان مسيطر عليا، هي دوافع مختلفة كانت وراء صناعة الفيلم.

– لكن بالرغم من كل تلك الدوافع التي قد تمتاز بالقوة وفي البعض الآخر منها بالقسوة، وبالرغم من كون الفيلم خارج منظومة الصناعة المعتادة، فما هي مصادر إنتاج الفيلم ؟
جزء منها كان مصدره مدخراتنا الخاصة، وجزء منها كان تبرع بجزء من الأجر من عدد من الناس اللي اشتغلوا في الفيلم، جزء آخر منها كان مصدره بيع حقوق العرض في منطقة الشرق الأوسط لقناة ART ودي في مرحلة مبكرة من الفيلم، وجزء منها جه من الحصول على منح ومسابقات دعم الإنتاج سواء في المنطقة العربية أو العالم، طبعا تجميع المصادر دي والشغل اللي اتبذل للحصول على المصادر دي كلها كان مجهود رهيب.

 

– كفيلم يرصد العاصمة المصرية بالتركيز على قلب القاهرة، هل واجهتك صعوبة في تصوير المشاهد الخارجية للفيلم وتحديدا في وسط البلد لكونه من الصعب حمل كاميرا هناك بدون موافقة؟

إحنا صورنا الفيلم كله بتصاريح، ماكانش عندنا أي تصوير بدون تصريح، ماكنش ينفع أصلا نصور بدونها كمان في وسط البلد.


– وفقا للمفاهيم الشعبية الدارجة وبالمقارنة بالتطور الحادث في الثقافة الفنية للجمهور، هل ترى أن “آخر أيام المدينة” هو “فيلم مهرجانات”، أي يخاطب أصحاب الذوق الخاص من المثقفين، أم أن ثقافة “فيلم المهرجانات” اختلفت في السنوات القليلة السابقة؟
أنا باتصور إن المصطلح ده هو مصطلح طلع من التيار السائد في صناعة السينما، اللي عشان يصنف مجموعة من الأفلام إنها على درجة من الصعوبة، مافيش مخرج في العالم كله بيعمل فيلمه وهو مقرر إنه يكون مخصوص للعرض في المهرجانات، والمهرجانات هي طريقة لتعريف الجمهور بالفيلم وطريقة للتواصل ما بين الأفلام وصناعها وما بين جمهورهم، في الحقيقة أنا بالاقي إن مافيش حاجة اسمها “فيلم مهرجانات” و”فيلم لغير المهرجانات”.. الفيلم فيلم، والأساس في أي فيلم هو قدرته على الإمتاع، يعني باتصور إن السينما زي أي فن لازم تكون قادرة إنها تمتع اللي بيتفرج عليها وتحقق له متعة على مستوى ما، فيا إما المتعة دي تكون فكرية أو شعورية أو بصرية وسمعية، يعني كل مستويات المتعة المفروض تكون متحققة في الفيلم، وكل ما فيلم بيقدر يحقق المستويات، كل ما قيمته بتكون أكبر، وبالتالي بالمنطق ده مابقدرش أفهم التصنيف الخاص بمفهوم المهرجانات.

“آخر أيام المدينة” راح مهرجانات كتير، أنا باعتبر إن دي حاجة معناها إن في ناس كتير ذوقهم اتفق مع الفيلم، فدي حاجة بالنسبة لي بتعني إن الفيلم بيتفق مع ذوق عدد أكبر من الناس مش العكس، لأن عادة الفيلم اللي بيروح مهرجانات كتير ذوقه مش بيتفق مع الناس، وأنا في رأيي إنه العكس.


لكن يرى السعيد أساس صناعة أي فيلم متعلق بالمحتوى الذي قد يصل لبقاع مختلفة من العالم بغض النظر عن لغته وأرضه كانعكاس لمظهر الثقافة في المجتمع الشبابي الحالي ليؤكد:
“كمان في الإطار ده، أنا ممكن أقولك إن جمهور السينما النهاردة الشباب في العالم كله مفاهيمهم اتغيرت، يعني أنا باتفاجيء مثلا لما باكون في أي حتة في العالم إن معظم العروض بيكون الحضور فيها كامل العدد والمكان مليان على الآخر وبيكون دايما في قائمة انتظار للجمهور، وممكن يكون ده في حتة في الأرجنتين مثلا ناس مايعرفوش أي معلومات عن المنطقة اللي جاي منها الفيلم او عني مثلا.. لكن عندهم الفضول غنهم يشوفوا نوع سينما غير اللي متعودين عليه، كمان حاجة مهمة لو تابعنا في الأوساط الشبابية، فيه نهم وولع بمشاهدة أفلام عن طريق الإنترنت، يعني أنا باتخض من كمية الناس اللي حواليا اللي يتشوف أفلام تعتبر أفلام صعبة لكنهم متعاملين معاها.. يعني لازم نشوف السينما نفسها تطورت -لغة- إزي والأجيال الجديدة فهموا اللغة دي إزاي وهما إزاي بقوا منفتحين أكتر على تجارب في الصورة وفي الصوت وفي استخدام اللغة السينمائية، اللغة اللي ماكانتش الناس منفتحة عليها زمان نتيجة لأن وسائل الاتصال اتغيرت، ولأن القدرة على وصول الأفلام بقى أسهل والناس بقت تطور معرفتها عبر المناقشات اللي بتحصل على وسائل التواصل الاجتماعي والخبرات دي بتتنقل.. فده عمل نقلة في نوع الأفلام اللي الناس بتشوفها، وأظن إن المشكلة الكبيرة إن التيار السائد جوة الصناعة مش في مصر بس، لا في العالم كله مش مدرك إن النقلة دي حصلت، مش مدرك التطور التكنولوجي ووسائل الاتصال اللي حاصل وكمان التطور في قدرة الناس على صناعة أفلامها وامتلاك كل واحد لمعدات تصوير كاملة جوة تليفونه، ده خلى لغة السينما نفسها والديناميكية المرتبطة بيها تتطور، ولكن التيار السائد في السينما مش مدرك ده”


– من خلال قراءاتي عن تقييمات الفيلم، وجدت أن التقييمات والمناقشات في الصحف والمواقع الغربية قد ركزت على المحتوى الكتابي والإخراجي، شخصيات الفيلم، اهتمامك بتصوير وسط البلد، في حين أن الأغلبية العظمى من المواقع الناطقة بالعربية التي تناولت الفيلم ركزت على فكرة عدم عرض الفيلم بمهرجان القاهرة السينمائي، ومن هنا يستدعى سؤال مختلف: هل ثقافة الأزمة والعقبة أصبحت هي التي تستهوينا كشعوب عربية أكثر من جوهر الأعمال؟ أم أن هناك بنظرك تفسير مختلف؟
اعتقد أنه لا، اعتقد أنه ببساطة لأن الفيلم ماتعرضتش في المنطقة العربية إلا مؤخرا، ونتيجة اللي حصل مع مهرجان القاهرة، فالناس ماشافتش الفيلم عشان تكتب عنه، بس لأن الفيلم اتعرض مؤخرا في كذا بلد عربي زي فلسطين، لبنان، الإمارات، السودان والمغرب، فطلعت مقالات باللغة العربية لأن الناس بدأت تشوفه.. ده تصوري.

 

“آخر أيام المدينة” المصري لا يعرض في مصر!


واجه الفيلم أزمة وعقبة في عرضه في مصر، الأمر الذي بدأ أولا مع المشاركة في عرضه لأول مرة في مصر من خلال مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، فالأمر مر بمراحل كثيرة تمثلت أولا في أن إدارة مهرجان القاهرة أوضحت أسباب استبعاد الفيلم من عرضه  ضمن فاعليات المهرجان الأخيرة، كيف تقبلت تلك الأسباب وكيف فسرتها؟
بالنسبة لي اللي حصل في المهرجان هو من أغرب الحاجات اللي حصلت لي، وفعلا مش قادر أفهم أو أفسر تصرفات إدارة المهرجان تجاه الفيلم أو أسباب استبعادها للفيلم، وطبعا بالنسبة لي التفسير اللي أوضحته إدارة المهرجان غير مقنع.. مش بس بالنسبة لي، يعني في بيان صادر بتوقيع 300 سنيمائي من بينهم أهم السينمائيين المصريين وشباب الجيل الجديد من صناع السينما في مصر، كلهم تقريبا موقعين عليه.. الأستاذ داوود عبد السيد، الأستاذ يسري نصر الله، الأستاذ خيري بشارة، الأستاذ مجدي أحمد علي، دكتور مدحت العدل، أستاذ علي بدرخان، أحمد عبد الله، محمد دياب، عمرو سلامة، هالة لطفي.. يعني أكتر من 300 اسم  يشملهم البيان ده، وفي بيان تاني دولي وقع عليه 900 اسم من 58 دولة منهم أهم السينمائيين في العالم: بيلا تار، داردين برازرز.. وحتى منهم ناس مهرجان القاهرة نفسه كرمهم قبل كده، كل دول مش مقتنعين وشايفين إن أسباب مهرجان القاهرة لاستبعاد الفيلم أسباب واهية، بيان موقع عليه مبرمجين من مهرجانات دولية كبرى زي برلين، كان وفينيسيا.. كل دول مش مقتنعين بأسباب مهرجان القاهرة في استبعاد الفيلم، كل الجرايد كتبت.. الحزبية والقومية، المؤيدة والمعارضة باختلاف اتجاهاتها، طلعت بتهاجم قرار إدارة المهرجان، ومع ذلك إدارة المهرجان لم تتراجع عن قرارها!
نص بيان اعتراض السينمائيون.. هنا

 

 

– وفي سؤالي عن كواليس طلب السعيد عرض الفيلم وحواره مع إدارة المهرجان أكد أنه:
“كل اللي اتطلب مني هو عدم المشاركة في أي مهرجان عربي يسبق مهرجان القاهرة عشان مهرجان القاهرة يحتفظ بأول عرض عربي للفيلم.. وأنا قبلت واعتذرت لمهرجان قرطاج واعتذرت لمهرجانات تانية كانت طالبة الفيلم في المنطقة العربية وقتها، وهي مهرجانات محلية وإقليمية، وبالنتيجة كمان اعتذرت لمهرجان دبي اللي كان طالب هو كمان العرض الأول، لأن موعد مهرجان دبي بعد موعد مهرجان القاهرة، لكن برضه مهرجان دبي كان يشترط أن يكون العرض الأول للفيلم في المنطقة العربية من خلال مهرجان دبي ومع ذلك اعتذرت لأني كنت عايز الفيلم يتعرض في مصر”

 

وإن كنت عزيزي القاريء غير متابع لتلك المهرجانات، فأهم ما يهم أن تعلمه أن تامر قد فاته فرص ذهبية لانتشار فكرة فيلمه، بل ونتاج جهده وفريق عمل متكامل، بل وسياسة الصناعة السينمائية التي ابتكرها، في أهم المهرجانات العربية بل والدولية، والتي إن فتحنا “لو” الافتراض المشروع، لكان ذاع صيت الفيلم فوق مرتبته الرفيعة الحالية، ليؤكد على أهدافه في سياسة الصناعة والمجهود المبذول، وعموما في فكرة الفيلم لما يرصده من واقع، لكنه مع ذلك كأي صانع فني مهتم بالثقافة المصرية، دون تزيين للواقع أو حتى للشخص، فضّل عرض الفيلم لمدة أيام في القاهرة على عرضه في كل هذه المهرجانات والدول، لكن في مواجهة كل ذلك اكتفت إدارة مهرجان القاهرة – في رأيي ككاتبة ومحاورة بل وفرد من الجمهور– بعدم التحرك والسكون أمام التساؤلات حول سوء تطبيقها للوائحها، الأمر الذي يتضح عندما أكد السعيد:
“الحقيقة أن كل التساؤلات اللي وجهت لينا من إدارة المهرجان هي عن سبق المشاركة في مهرجانات عربية من عدمه، وماكانش في حاجة نخبيها، بالعكس مهرجان القاهرة كان دايما بيبارك لنا لنجاح الفيلم المستمر ومشاركته في مهرجانات دولية كتيرة، حتى المخرجة كاملة أبو ذكري اللي مشارك فيلمها في مهرجان القاهرة واللي أدعى الأخير إنه رفض عرض فيلمها لمشاركته في مهرجانات عربية سابقة عشان يحصل مساواة بين الطرفين، هي كمان كانت من الموقعين على بيان رفض قرار المهرجان باستبعاد الفيلم.. فالحقيقة مش مفهوم أسباب الاستبعاد تماما”

 

– ما هي أسباب تأخر عرض الفيلم في مصر حتى الآن بالرغم من محاولة جهات ثقافية لعرضه مثل “سينما زاوية”؟
بمنتهى البساطة والوضوح، الفيلم لم يحصل على موافقة رقابية بعرضه، الفيلم تم اختياره للعرض في مهرجان القاهرة وبعدما أعلنوا عن اختياره استبعدوه، الفيلم تم اختياره لمهرجان شرم الشيخ في المسابقة الرسمية، وبعد ما أعلنوا عن اختياره استبعدوه برضه.. الفيلم أمام الرقابة من أكتر من 7 أو 8 شهور ولغاية دلوقتي ماخدناش منهم قرار، هما بيقولوا إن الفيلم لا يحتوي على شيء يستدعي المنع، بس مع ذلك مابيطلعوش لينا التصريح، وبالتالي الفيلم مايبتعرضش في مصر لأنه بدون تصريح للعرض.

 

لم تكن كواليس صناعة الفيلم وحدها محاطة بالحبكة الدرامية، فإن كان “خالد” بطل الفيلم عانى من أزمة النجاح التي يعيشها الكثير من الشباب في مصر، فقد حصد “السعيد” محاولة بطل الفيلم للنجاح بشهادة تلك المهرجانات الدولية.

هذا التشبيه السابق يخدم مجهود تامر السعيد كمخرج للفيلم، ولكن كمؤلف وحريص على مضمون قصة وسيناريو الفيلم نفسه، فقد خدمته الكواليس اللاحقة لعرض الفيلم، فالفيلم يرصد حالة المدينة وما تحياه من معوقات وعلى الانهيار الوشيك.

أزمة عرض الفيلم في مصر –في رأيي- تعد تأكيدا لمضمون الفيلم، فـ”آخر أيام المدينة” هو عرض مستمر حتى وإن أنارت إضاءات صالة السينما.. ولن يكون الأول أو الأخير من نوعه من المحاولات الفنية.
“آخر أيام المدينة”.. خارج المدينة:

 

الدوافع العميقة والمتعددة بل والقوية الذي ذكرها “السعيد” لصناعة فيلمه كانت في نتائجها ما يراه بعض من السينمائيين انعكاسا لها من خلال الفيلم، البعض الآخر يرى أنها ترجمة تأثير هذا النوع من الدوافع في استخراج عصارة الفن من الفنان والتي تنتج عملا فنيا بالرغم من فرضياته ونظرياته التي اعتمد عليها في صناعته والتي اتسمت بالاختلاف، إلا أنني -كمحاورة للسعيد- أرى أنه من الحتمي رصد -في سطوري- ما أراه -دراميا- خارج شاشات عرض الفيلم، فردود الأفعال التي تلت عرض الفيلم في بقاع مختلفة من العالم بل وتحديدا في أهم المهرجانات الدولية، قد تمثل مشاهد النهاية للفيلم. فإن كان “خالد” بطل “آخر أيام المدينة” قد سرد لنا قصة صعوبات وعقبات صناعة فيلمه التي احتضنته مدينة وسط البلد، إلا أن ما حصده “السعيد” بطل صناعة “آخر أيام المدينة” كان بمثابة جزء ثان للفيلم.. بعبارة أخرى فإن “خالد” قد زرع مشكلته وسعى للخروج منها، و”السعيد” حصد ثمارها خارج الشاشات. الأمر الذي يتضح من خلال أبرز مشاركات بل ودعوات المهرجانات الدولية لمشاركة الفيلم في فعالياتها ومنها:

 

 

بالإضافة إلى جائزة أفضل فيلم عربي الممنوحة من النقاد ضمن فعاليات مهرجان “كان” لعام 2016، يقول السعيد:
“بالنسبة لي غالية جدا لأكتر من سبب، أولا لأنها جايزة نقاد، وجايزة النقاد ليها طعم مختلف، لأني باشوف إن النقاد بيخلونا كصناع أفلام نشوف شغلنا من زاوية مختلفة وبيخلونا نكتشف أبعاد مختلفة وجديدة فيه، وكمان بيسعدونا إننا نطور لغتنا ونعيد قراءة شغلنا بطريقة مختلفة، ده غير إننا بنطور اللغة بتاعتنا.

الجايزة دي بالتحديد بتمنح من لجنة مكونة من 24 ناقد من 15 دولة فيهم نقاد دوليين ونقاد عرب، والقائمة بتضم معظم أسماء النقاد اللي أنا عندي احترام كبير لشغلهم وعندي تقدير لكتاباتهم وباعتبر إنهم ناس ساعدتني وألهمتني في علاقتي بالسينما بشكل عام، وبالتالي وجود عدد كبير من الأسماء دي اللي أنا باحترمها ضمن لجنة التحكيم، ده بيدي فعلا طعم تاني للجايزة، كمان هي جايزة مميزة بالنسبة لي لانها جايزة عربية، ودي أول جايزة عربية للفيلم، فطبعا نتيجة اللي حصل في مهرجان القاهرة، أو إن إحنا اعتذرنا عن المهرجانات التانية، فالفيلم ماكانش عنده أي مشاركة في أي مهرجان أو أي مسابقة عربية، ومنح الجايزة دي بيدي له قيمة تانية.

طبعا عدم عرض الفيلم في مصر بيبقى زي جرح لا يندمل.. حاجة بتفضل موجعة جدا جدا، والفيلم يتم اختياره كأفضل فيلم عربي في 2016، والتناقض ما بين ده وما بين إنه مايتعرضش في البلد اللي هو جاي منه، هي من ناحية حاجة بتدي أمر إن شغلنا ممكن يتقدر، بس بتوجع برضه إن الفيلم ماتعرضش في مصر، ودي حاجة مابتخلصش مع كل عرض في أي مكان في العالم.. الإحساس بالغضب والوجع من ده بيزيد وبيتكرر.

 

لكن مع ذلك لم يقف الفيلم عند هذا الحد من النجاح، هذا النجاح الذي جعل من حواري مع السعيد يمتد منذ أكثر من ثلاثة أشهر في محاولة للمتابعة المستمرة لردود الأفعال حول العالم، مع كل مرة يحصد فيها الفيلم جائزة أكثر تقديرا ورفعة عندما يصل إلى محطة دولية جديدة، لرصد رد فعل صانع الفيلم أولا حول تلك الجائزة، ثم لمعرفة ردود الأفعال مختلفة التخصصات في كل دولة على حدى، ورصد ذلك لم يكن بالأمر السهل لكون ردود الفعل تصنف فوق الممتازة بل والمميزة وفقا لما يختاره المشاهدون للفيلم من عبارات تقدير قوية تنم عن تقدير لجرعة فنية أحترمت عقل المشاهد غير المستهلك، الأمر الذي يتضح في وصول “آخر أيام المدينة” لمحطة باريس، والتي استضافته المدينة الرومانسية في معهد العالم العربي وسط ردود أفعال فوق المرضية من جميع حضور العرض.

 

– وبعد كل ما أحيط بتلك التجربة المختلفة في صناعتها وتكوينها وبنيتها، بل وفي ظروفها السابقة واللاحقة على إتمامها، التي لا تقل تميزا عن مضمونها، كان من المثير للفضول التساؤل عن التجربة الفنية القادمة “للسعيد”، فما تصورك عن فيلمك القادم وما هي فكرته العامة؟
حاليا في المراحل الأولى، ومش متأكد إني قادر أتكلم عنه دلوقتي، لأن مافيش نقاط واضحة، يعني عندي صور وأفكار وحاجات ملحة، حاسس إني عايز اشتغل عليها، لكن لسة في أول الرحلة.

 

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك