اليوم : السبت 25 مارس 2017

تواجدت منذ سبع سنوات فتاة مصرية من سكان حي الحدايق، تلعب دور الأخت والابنة، الزميلة، الصديقة، القريبة، واخيرا الموظفة، فعملها لم يكن أول ما يقدمها الناس به، وليس التاج الوحيد الذي توجت به على مدار عمرها. فهي تمتلك منصبا رقيقا في العالم الإنساني أولا قبل تواجدها في عالمنا هذا الذي من المفترض أن “يشقر” من وقت إلى الآخر على جاره من الإنسانية.
فالطبيعة الروتينية لحياة ويوميات “أميرة” اتسمت بالحيوية، ليس فقط على مستوى تواجدها الفعال في عملها وما تتسم به افكارها وآرائها الإبداعية لحل أزمات وعرقلات العمل في المؤسسة، وليس فقط على مستوى مشاركتها المستمرة في الأنشطة الرياضية، بل وتحفيز أخيها “محمد” للمشاركة في Cairo Runners أو في الحفاظ على صحة ولياقة وحيوية جسمها بالإقدام دوما على الذهاب إلى النادي الرياضي والاشتراك به، بل يصل أيضا مستوى حيويتها إلى العالم الإنساني في كونها أولى من يلجأ إليه زملاؤها لعرض مشكلاتهم الشخصية كانت أم العملية مستغلة هي في ذلك طاقة عطائها التي تراها ترجمة أوتوماتيكية لتواجدها في المحيط الإنساني بكل أريحية ودون ادعاء، فالتلقائية والحياة والحيوية تجسدت في “أميرة”، تلك الأميرة التي لم تكتف بالتربع على عرش محبة الناس هادئة ساكنة، بل كانت دوما على إصرار للتحرك من هذا العرش متجهة نحو نيل ابتسامة محبيها والسعي وراء مساعدتهم وبخ الحياة في محيط الأرض، رافضة لأي سكون، وكأنها على يقين بأن سكونها على هذا العرش سيكون المآل.
أنا كاتبة هذه السطور، أقر بأن سماعي عن معلومات وأخبار متطايرة من عدد بسيط من المحيط عن أميرة، وجدت الدافع لمعرفتها والتقرب من مملكتها دون وجود لرؤية محددة لما أبحث عنه أو أتوقعه من صور أو نتائج.. تلك الرغبة التي بدأت منذ قراءتي لأحد المنشورات على موقع الـ FaceBook يطالب بالدعاء لفتاة ترقد بإحدى مستشفيات القوات المسلحة بمصر، ودعوة الأصدقاء للمساعدة “المعنوية” لها!
في عام 2011 لاحظ “محمود الزهيري” أن شقيقته “أميرة” بدأت تتعرض للعديد من السقطات والالتواءات في قدميها وعدم استقرار حركة سيرها بالرغم من عدم تعرضها لأية إصابات سابقة أو إرهاق أو غيره من الأسباب الطبية الداعية لهذا النوع من عدم الاتزان في عملية السير، الأمر الذي وصل مع مرور الوقت إلى عدم المقدرة على الوقوف عدد من الدقائق المتصلة، مما دفعها لمتابعة أحد الأطباء للكشف على سلامة قدميها باعتبار وجود أي خلل أو مشكلة طبية ما في العظام، ولكن جاءت نتيجة البحث والمتابعة المستمرة والتحاليل دون نتيجة مترجمة لتلك الأعراض! بعد عدة أشهر ومع استمرار “أميرة” في متابعة روتين حياتها الحيوية مع هذه الأعراض، لوحظ من قبل أخيها ووالدتها تكرار تعرضها للشرقة أثناء عملية الأكل أو الشرب بشكل يفوق عدد المرات التي يتعرض لها الإنسان بشكل عادٍ وعارض، الأمر الذي مع الوقت أدى إلى صعوبة بلعها لأي مواد سواء أطعمة أو سوائل مهما بلغت خفتها، فأصبحت عملية البلع بالنسبة “لأميرة” بمثابة مقدمة للدخول في حالة اختناق، ورفض الفم لأي مواد تقدم له.
ومع التطور الحادث في كل مرة، كانت أميرة تصر على متابعة الأطباء واستشارة أكبر الأطباء والمعالجين في مصر، بل وزيارة عدد مختلف من الأطباء، فهي مصرة على معرفة السبب كي يفسر هذا العجب! ولكن كان الرد الوحيد في نهاية رحلتها مع كل طبيب معالج هو فشله في تفسير أو تطبيق هذه الأعراض على أي من الأمراض التي اكتشفها العلم أو قدمت له في كلية الطب دون أن يتطرق لباله كأي طبيب في موقفه أن يقوم بالبحث ولو البدائي عن هكذا أعراض، لعل وعسى له تفسير لم يمر على مهنته وتاريخه الطبي!
ولكن – وكالمتوقع- تولت أميرة بنفسها تلك المهمة، فقامت بالبحث عن تفسير لتلك الأعراض في العديد من المواقع الطبية، وقرأت قصصا لحالات مماثلة، بل والمتابعة مع المستشفيات والمستشارين الطبيين حول العالم وقيامها بمختلف التحاليل، فكان فك هذا اللغز شغلها الشاغل مع استمرارها في حياتها الحيوية الطبيعية. وكلما زادت تلك الأعراض صعوبة، وضوحا، بل وألما، كلما كثفت أميرة البحث والقراءة.

“أمي كانت عايزة تسمي أميرة أول ما اتولدت “انتصار”

أعترض “محمد” حديثه عن أميرة بهذه العبارة، وبدأ بعدها في السرد بشكل مختلف، فمع ما تشعر به من تفاؤل وروح القرب من الوصول لتفسير الكثير مما تحياه “أميرة” تبدأ الحالة الصحية لها بالتعقد بالرغم من استمرارها في زيارة مختلف الاستشاريين، البحث، القراءة والثبات، فأصبحت عملية التنفس لها تصاب بالعرقلة والتعقيد، أصبحت عملية الكلام بها صعوبة ملاحظة، بل وصل الأمر لحد ثقل الكلمات وصعوبة استخدام مخارج حروف صحيحة، بجانب الشق الأصعب من الأمر متمثلا في ثقل حركاتها الجسمانية وعدم التحكم بالأطراف وصولا إلى فقدان السيطرة على الجسم. هذا على مدار الخمس سنوات!
يقول “محمد” إن والدتها أصابها القلق والحيرة الشديدة من حال ابنتها وكأي أم كانت تحاول أن تفهم الوضع بالنسبة لأميرة، ولكن التوتر كان المسيطر على الوالدة، فتتساءل وتتعجب وتحتار كثيرا. في محاولة منها لحجب ذلك عن ابنتها بتساؤلها عن مدى استقبالها لهذا الأمر، ولكن كان رد فعل أميرة غير متوقع تماما. فكانت هي من تسعى دوما لطمأنة والدتها وتعزيز شعور الاستقرار لديها، ولم تكن بمدعية لذلك، فحسب تعليق أخيها: “اميرة استقبلت الموضوع بهدوء جدا، وكانت مستمرة في البحث والقراءة عن الموضوع على النت، حتى كانت بتناقش ده مع الاستشاريين اللي بتزورهم “

في أثناء ذلك، كانت أميرة قد توصلت من خلال بحثها إلى أعراض مطابقة تماما لحالتها في بلاد أخرى كالولايات المتحدة وأوروبا إلى تفسير لتلك الأعراض بانتمائها إلى مرض الـALS أو “مرض التصلب الجانبي الضموري”!
هو ذلك المرض المروج له دوليا بتحدي الـIce Bucket Challenge والذي روج له كذلك لكون أحد الأعراض الخاصة به هو شعور المريض بوخزة شديدة البرودة في عضلات جسمه، وذلك في مراحل متأخرة من المرض، وهو ألم يعد شديد الصعوبة لا يمكن تحمله، ولكن هذا الألم لم يكن له هذا الصدى “الخارجي” لدى أميرة نظرا لقوة إرادتها ورغبتها المسبقة في تحمل الألم، حيث إنه على حد قول شقيقها محمد: “الألم ده كان بييجي لأميرة فعلا، لكن نادرا ما كانت بتقول. نادرا جدا وده الغريب في حالتها”!

باستمرار المتابعة ومع مرور الوقت تأثرت أعضاء أميرة وتحديدا “وظاهريا” قدميها، بل والعضلات المتحكمة بعملية السير لديها، حيث إنه بفحص طبيب العلاج الطبيعي للقدمين، وجد أنهما متصلبتين جدا لدرجة أدت إلى لجوئها إلى طبيب الأعصاب، الذي كغيره من الكم الهائل من الأطباء الذين قاموا بمتابعة حالتها، لم يدققوا النظر في مسمى المرض، بل اعتمدوا على مخزونهم الأكاديمي الطبي الأساسي دون وجود أي رغبة أو حتى فضول علمي منهم لقراءة خلفية هذا المرض، فقام بالتبعية طبيب الأعصاب بالتوصية بحقن القدمين بمادة البوتوكس باعتبارها وسيلة لتخفيف هذا التيبس في العضلات!
وكما دوما يقال لغويا، وصلت الحالة إلى الجانب الآخر من النهر، فتخلصت عضلات أميرة تماما من أي تيبس، بل وتخطت تلك المرحلة لأن أصبحت عضلاتها في حالة ارتخاء مبالغ فيها، مما أفقدها السيطرة عليها بالرغم من خبرة واسم هذا الطبيب الحاقن بمادة البوتوكس! فها هو الجهل و”الارتخاء” الأكاديمي والمهني لدى الأطباء تواجهه عضلات أميرة مرة أخرى، وهي التي طالما كانت تحارب في صحتها وفي عافيتها أيضا، فهي لا ترى نفسها حتى هذه المرحلة مريضة!
ومع هذا الارتخاء، أثرت مادة البوتوكس التي أصبحت متواجدة في جسمها إلى زيادة في صعوبة عملية السير لدى أميرة!
ومن هنا قام اخوها بمتابعة عملية البحث والإطلاع والتواصل مع المؤسسات بالخارج بنفسه -نظرا لتأخر حالتها عن القيام بمثل هذا النشاط- مع استمراره بالبحث وعرض الأمر على عدد من الأطباء المصريين على وجود علاج ما، ومن هنا قابل محمد مدير إحدى مستشفيات القوات المسلحة للعلاج الطبيعي بالعجوزة، الذي لم يرحب بشكل مباشر بمسألة دخول أميرة للمشفى للمتابعة، وكان مبرره لذلك هو: “أنا جاي لي من أمريكا دواء لعلاج الحالة دي هابقى أكلمك لما يوصلي كمان شهر!”، وبدوره تقبل محمد الأمر مع تجاهل تام لهذا العرض لاطلاعه ومعرفته القوية بعدم توصل أي من الباحثين بدول الخارج المهتمين بهذا المرض لأي تفسير للمرض، وبالتالي لأي علاج له!
بالرغم من ذلك توافر لدى أميرة نسبة بسيطة من الأمل في وجود علاج، وهي على استعداد لانتظار وصوله، وفي نفس الوقت كان شقيقها يحاول جاهدا لقبول دخولها في المشفى لتلقي علاجها الطبيعي لتحسين عملية السير، ولكن دوما ما كان يقابل هذا الطلب بالرفض غير المبرر، إلى أن توصل إلى فرصة لدخولها عن طريق أحد الوسطاء. نعم وسطاء لمريض لدخول مشفى للعلاج، وهو أمر ليس بعجيب في النظام الإداري الطبي المصري، ولكن الجديد أنها مشفى تابعة للقوات المسلحة!
في غرفة 301 مكثت أميرة وهي لازالت تستطيع الوصول إليها عن طريق السلالم والمشي إلى حد معقول، تواجدت بتلك الغرفة منذ ديسمبر عام 2014 وحتى يونيو من عام 2015، ولكن مع مرور الوقت تضاءلت عملية السير لديها نظرا “لأن المرض ده بيقلل الطاقة في جسم المريض” يقول أخيها.
بنفس الكيفية التي تضاءلت بها طاقة الجسم في سردنا للقصة منذ السطر الأول، استمرت عملية الضعف والارتخاء، بل وفقدان السيطرة على كل ما يحويه الجسم من عضلات، وصولا إلى رقود أميرتنا في فراش بالمشفى، غذاؤها محاليل طبية، حركتها تكاد لا تذكر.

في غرفة عناية مركزة، مع انخفاض قوة العضلات، تزداد قوة والدة اميرة في المطالبة اليومية بالتواجد مع ابنتها، حتى وصل الأمر إلى منع الممرضات والأطباء لوالدتها من زيارة غرفتها، كنت أتمنى أن يكون مبررهم لذلك هو حرصهم على مشاعر والدة من رؤيتها لابنتها في وضع صعب ومؤلم، بل للأسف وكعادة أي مؤسسة طبية، هو رغبة الممرضات للخلاص من طلبات وتوجيهات الوالدة المتكررة للعناية بابنتها، فوصل الأمر إلى تعامل الممرضات مع أميرة على كونها حالة بلا طلبات أو رغبات في العناية نظرا لقلة حركتها، فجهلهم وقلة إيمانهم بما يمتهنون هيأ لهم أنهم هنا انتهوا من عملهم، وهذا لم يمنعهم من طلب الإكرامية “بشكل مستمر” بالرغم من عجرفتهم وجمودية ردودهم، دون اعتبار لشعور وموقف أم تبحث عن إجابة لما تحياه فتاتها! إلى أن جاء مدير المشفى الذي فسر كل تلك التصرفات بطلبه لمحمد بضرورة مغادرة شقيقته للمشفى مراعاة للحالة النفسية للمرضى الآخرين، فأقصى ما توصل له علميا أن هذا مرض بلا علاج!
ولكن بالطبع أصر شقيقها على تلقيها العلاج الكامل والعناية التي تستحقها متحملا تلك العجرفات والإهمال من قبيل معظم الفريق الطبي بتلك المشفى، مستسقيا تلك الطاقة الإصرارية من شقيقته!
في يوم اجتمع فيه الأصدقاء والأحباب والمقربون من بطلتنا على محاولة الوصول لفكرة لرفع معنوياتها والتواجد حولها، فوجيء الجميع بإعلان محمد الزهيري بوفاة شقيقته بالمشفى! رحلت بهدوء كما واجهت، أصرت وظلت في مرضها عونا ومحبة للجميع. من أقربائها وحتى من لم تقابلهم يوما، أنا كاتبة تلك السطور أولهم.

ادعوا الله أن يتغمدها بالرحمة والجمال كما ادفأت -أينما تواجدت- من أماكن بالطاقة والعطاء، هي حقا باقية ولازالت، لما غرسته من جزء من روحها في شغف أخيها محمد الزهيري الذي لم يكتف بالحزن على فراقها، بل ترى في حديثه وجودا لطاقة الإصرار الخاصة بأميرة، وكأنك تشعر أنها تطلب من خلال صوت أخيها تلك الرغبة في بناء أول مركز مصري لاحتضان، رعاية، تأهيل وتثقيف مرضى الALS بما يمتلكه من أجهزة طبية مجهزة مساعدة على القراءة، الحديث، السير والعيش بتلقائية بتجاهل للمرض لكونه لم يفصح عن هويته بعد، فيقوم هذا المركز بمثابة منزلا للمرضى يستمرون في معيشتهم فيه. حتى إشعار آخر من هذا المرض!
وعليه نستمر في البحث ونشر تلك الفكرة في أرجاء كافة المؤسسات المصرية ومؤسسات المجتمع المدني مع التواصل المستمر مع اللجان والمؤسسات التي بالفعل بدأت في اتخاذ تلك الخطوات في كل من الولايات المتحدة وأوروبا، فنسبة الإصابة بهذا المرض في مصر لا تقل عن مثيلاتها في تلك الدول. ولعل مقابلتي لقصة أميرتنا هي الخطوة الأولى في سبيل الوصول لعشرات المرضى في مصر الذين لا يعلمون حتى مسمى مرضهم، فالوصول إليهم هبة من جمايل “أميرة”، وتنفيذ هكذا فكرة لمساعدتهم هو نفحة من إنتصارات “أميرة”.
للتواصل بشأن تنفيذ هذه المبادرة برجاء التواصل على: mai.farag15@gmail.com

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك