اليوم : السبت 18 نوفمبر 2017

لا اعلم أهمية سطوري الآتية، فهي كغيرها من المحاولات تسعى لكشف الأسباب، أو على الأقل هذا كان الرد الفعلي التلقائي للشعوب والحكومات سويا في حال وقوع أي كارثة أو اعتداء، ولكن تطور الأمر لمحاولة كشف العلاج للوضع الراهن والنتيجة، والذي على مر العصور الناصرية و الساداتية والآل مباركية أصبح مهمة الشعوب وحدها دون الحكومات، فالأخيرة تكتفي بإقالة وزير، وحبس موظف وغفير ثم إحالة الأخيرين للنيابة ثم إلى المحكمة ثم حكم مبهم ثم مكافأة القاضي. “ثم واقف ليه يا ابني؟ لا توجد بقية للـ”ثم”، فهي حلقة مفرغة جريمة فحزن فشريطة سوداء على زوايا الشاشات التلفزيونية ثم أغاني ذات توزيع مكرر لعمرو مصطفى ثم خطاب عاطفي ذو اختيار ارتجالي لألفاظ خاصة ثم.. تحيا مصر!
ولا اختص بتلك السطور النظام السياسي الإداري الحالي، فالأزمة أكبر من ذلك بكثير، الأزمة.. الكارثة، بل الفاجعة ليست في عشرات الـ”إداريين” الذين يطلق عليهم لقب الحكومة، فلو كانت تلك هي الأزمة، لنجحت الثورتان المتتاليتان واللتان تخللت الفترة الانتقالية المماطلة بينهما عمليات إزالة شعبية لرؤساء حكومات عدة. فالفكرة أثبتت ركاكتها! الأزمة ثقافية بحتة. وليست تعليم ولا مناصب ثقافية مغلقة ولا تدني مستوى المطبوعات الكتابية، الأزمة في مصطلح “مثقفين” أو من تجرأوا وتجردوا من الحياء واطلقوا على أنفسهم هذا اللقب.
يظهرون على الشاشات بمختلف أحجامها مهللين بضرورة التكاتف وموجهين لأسلوب حياتنا منوهين عن مدى تقصيرنا “الوطني” في حق الدولة مقللين من حجم الأزمات مشككين في وجودها أصلا، واضعي مكان عضو الضمير قرينه المدعو بـ”جذب الاستثمارات الأجنبية”.

الموضوع أبعد من شركة كاتشاب أو حتى ما ينتج عن حوادث من لون مشابه لهذا المنتج.

الأزمة هي في وصول هؤلاء ومحركي خيوط الماريونت خاصتهم لدرجة التشكيك في لون هذا الدم: هل هو دم حقيقي أم كاتشاب؟ الكل في استديوهاته ببدلته الباريسية ومجوهراته السويسرية يتساءل هكذا تساؤلات خزعبلية، وعندما أراد أن يختلف، قرر أن ينزل ليسيل بعضا من مياه جسده المالحة على خديه بحثا عن من يمسحها، حتما بعدما تقوم الكاميرا بالتقاط القدر الكافي منها.
فضع نفسك مكاننا نحن ولو لوهلة:

طعام فاسد، أدوية ذات مواد فعالة شبه موجودة وذات أسعار مرتفعة، مرتبات منخفضة وخصومات عليها بلا عدل، مسلسلات تتحدث عن حياة بمليارات الجنيهات بل وصلت إلى حد الحديث بلغة الدولارات، لا علاج آدمي، ثم تعود لمنزلك لتجد ذات الخاتم الألماسي تهلل بالبنصر أنك لست بالواعي بحجم التطور الذي تحياه مصر، وضف على ذلك مواجهتك لحالة الاكتئاب الجماعي الوطني، فما رد فعلك إن واجهت هؤلاء أمامك في قلب حدث الفاجعة؟ حتما ستكون مخرجا ممتازا لشكل التقرير التلفزيوني الذي من المتوقع عرضه في برامجهم مصحوبا بنفس الموسيقى الحزينة الخاصة بالملحن المغمور، مع إضافات إخراجية للتصوير الـ Slow Motion والـ Zoom على أعين أهالي الضحايا الذين إن رفضوا بث دموعهم، ستتدفق عليهم أسئلة إعلامية من النوع عالي السذاجة باستخدام أي لفظ مصحوبا بعلامة استفهام: أنت زعلان؟ حاسين بروحهم؟ حاسس بإيه؟ حزين؟ طب محتاج مساعدة؟ عايز تعويض كام؟ تقول إيه للسيسي؟
وبعد صحوتك من مشاهدة هذا التقرير “الرخيص” ستنهال بالضرب أو السباب أو العنف على هؤلاء. هؤلاء من لا يتوقفون.. وانصحك بألا تقوم بهذا التصرف، ليس فقط احتراما للمكان المقدس الذي تقف في محيطه، بل لأنك دون أن تشعر ستوفر لهم مادة غنية جدا لعرض تقرير أكثر استفزازا، وهو مناسبة قوية جدا لعرض السيرة الذاتية لهؤلاء ومدى مكافحتهم لتهديدات “أيام الإخوان”، ومدى “كفاحهم” للنزول بالرغم من “تحذيرات الأمن” ليه؟ لأن “ماحدش نزل وشارك في المناسبات الدينية زي ما أنا عملت. أنا جزء من المجتمع ده” وغيرها من هذا النوع من “اقتباسات” الكفاح الإعلامي.

بالبلدي هو اصطياد في المياه العكرة تحت بند “دوري لازم يكمل.. مين دول؟”
وبالرغم من تحذيرات الأمن لهم. الأمن الذي طالما خونونا بسبب “مخالفتنا” لتعليماته على حد تعبيرهم، قرروا النزول، لكن ليس لإكمال الدور الإعلامي، بل لإكمال الدور المفتعل، ذلك الدور الذي يجذب إعلانات الشركات الراعية لبرامجهم.
إن كنتم تحترمون أقل المعايير الإنسانية أو – بلغتكم- إن كنتم على نفس القدر من “الإبداعية” في الوصول لمادة إعلامية للعرض، لكنتم على نفس القدر من الذكاء لفهم رفض الجمهور لكم منذ عمر طويل، إن كنتم مرآة للرأي العام، لكنتم اهتممتم بمنتقديكم والذين أنتم على دراية تامة بآرائهم تلك، ولكنكم قررتم أن تستغلوا آراء منتقديكم باعتبارها أصوات لأعداء مصر، وليس للمصريين حقا. ليه؟ الإجابة استثمارات أجنبية أي رعاة لبرامج تلفزيونية. فلا عجب أن مصانع الكاتشاب ليست فاسدة، فالذي يسري في اوردتكم ليس بدم.. هو كاتشاب فاسد تحنون للدفاع عنه وعن نقاوته. وإلا احترمتم الرأي العام وامتنعتم عن الظهور!

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك