اليوم : الثلاثاء 24 اكتوبر 2017

 

رفعت صوتها في وجه الـ”سايس” موبخة: “أنت إزاي تزعق لي كدة؟ أنت مجنون؟” فرد السايس الإهانة قائلًا: “ده أنت اللي مجنونة وستين مجنونة”.
استمر الجدال الذي انتهى باتصال الفتاة بأحد الضباط الذي على الأغلب من أحد معارفها. اختفى السايس وتلاشى الجمع وظلت عبارة “أنت اللي مجنونة وستين مجنونة” ترن في أذني. ماذا فعلت الفتاة ليقال عليها مجنونة وستين مجنونة؟ وهل كان رفع صوته عليها سببًا لنعته بالجنون هو الآخر؟ شيء غريب يا أخي.
إن فكرنا مليًا سنجد أننا ننعت كل ما هو غريب علينا بالجنون المطلق، أو إن كنا رقيقي الكلام سننعته بالاختلال.
ليتها كانت بتلك البساطة والله.
قبل أن أشرع بالحديث عما نسميه الجنون من وجهة نظر علم النفس، سأتناول بشكل مختصر سلوك الشخصية المعادية للمجتمع Antisocial behavior).
السلوك المعادي للمجتمع هو السلوك الذي يكون به أذى أو عدم اكتراث لسلامة النفس أو الآخرين ويكون ذلك السلوك هو أساس اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع (Antisocial Personality Disorder) الذي لا يتم تشخيصه قبل سن الثامنة عشر، وتظهر أعراضه غالبًا في مرحلة المراهقة وأبرزها هي:
– كسر القوانين بشكل متكرر. – الكذب المتكرر.
– عنف جسدي. – تهاون متهور لسلامة النفس والآخرين.
– قلة الشعور بالندم.
سوف أقسم حديثي إلى شقين.
الأول: سأتحدث عن النوع المتطرف مما نسميه في الحياة اليومية بالـ(جنون). أو بمعنى آخر، السايكوباتية أو الاعتلال النفسي أو (Psychopathy)
لنستذكر سويًا فيلم Christian Bale الذي عرض عام 2000 باسم (American Psycho)
يحكي الفيلم قصة Patrick Bateman موظف بالبنك، غني لأبعد الحدود، مباهي جدًا بثروته، شديد الاعتناء بنفسه وبحبيبته، يعمل كقاتل محترف ليلًا.
يستغل صديقاته جنسيًا ثم يقتلهن ويفلت من العقاب وكذلك أصدقائه، دون أي اكتراث أو شعور بالندم أو حتى سبب مباشر، فقط متعة القتل والاحتفاظ برؤوسهم في ثلاجة المنزل.


السايكوباتية عمومًا تعتبر خلل جيني واختلال في توازن كيميائيات الجسم غالبًا ما ينتج بسبب تلف في اللوزة المخية Amygdala تلك المسؤولة عن توليد الشعور بالتعاطف والشعور بالندم والخوف.
الأشخاص المعتلون نفسيًا غالبًا ما يكونون أصحاب (كاريزما) وإطلالة آسرة للجميع، ذلك السحر الذي يستغلونه بشكل جيد جدًا لصالحهم، فيستغلون ضحاياهم لرغباتهم المنحرفة إن لم يكن بسحر شخصياتهم فسيكون بتخويفهم.
في نفس الوقت يستطيع المعتلون نفسيًا إخفاء مشاعرهم الحقيقية بجدارة كبيرة ليظهروا للمجتمع كأشخاص “طبيعيين” فنعم، من المرجح أن يكون الجالس بجانبك الآن معتلًا نفسيًا يخطط لإلحاق الأذى بك بطرق عديدة.
وإن فعل، على الأغلب لن تستطيع إثبات شيء لأن السلوك الإجرامي المنظم والمخطط له بشكل جيد هو من إحدى خصالهم. في دراسة أجريت عام ٢٠٠٢ وُجد أن ٩٣.٣٪‏ من جرائم القتل التي اتهم بها أشخاص معتلون نفسيًا قد تمت بشكل منظم ومرتب بالمقارنة بـ ٤٨.٤٪‏ من جرائم القتل التي اتهم بها أشخاص غير معتلين نفسيًا.
يمكن تجميع صفات المعتلين نفسيًا كالآتي:
– عدم الشعور بالندم.
– عدم الشعور بالتعاطف.
– النرجسية.
– التلاعب.
– الكذب المتكرر بشكل احترافي يصل إلى قدرتهم على تخطي أجهزة كشف الكذب بمنتهى السهولة.
– عدم القدرة على تكوين أي علاقة عميقة مع أي شخص من الأشخاص.
المعتلون نفسيًا أو السايكوباثيون هم أخطر المصابون باضطراب الشخصية المعادية للمجتمع لأنهم يعلمون مدى فداحة ما يقومون به لكنهم بكل بساطة، لا يهتمون، ويرون أن الناس ما هم إلا فضلات بيولوجية يجب التخلص منها.
“I have no desire whatever to reform myself. My only desire is to reform people who try to reform me. And I believe that the only way to reform people is to kill ’em. ”
― Carl Panzram، Panzram: A Journal of Murder
*كارل بانزرام كان من أشرس القتلة في القرن العشرين، وصل عدد ضحاياه إلى ٢٢ ضحية قبل أن يتم إعدامه عام ١٩٣٠.

 

الشق الثاني: الشخصية المعتلة اجتماعيًا أو السوسيوباثية أو Sociopathy

 

قُدمت هذه الكلمة إلى العالم لأول مرة عام ١٩٠٩ في ألمانيا على يد العالم Karl Birnbaurm ويقصد بها وصف كل شخص يحمل صفات الشخصية المعادية للمجتمع بشكل متطرف إلى حد كبير. تكون الإصابة بالاعتلال الاجتماعي إما خلقية أو مكتسبة إما بالتربية أو بالتعاملات اليومية مع الأفراد ولا يتم تشخيصها كذلك قبل سن الثامنة عشر ويكون قد ظهر عليها أعراض الشخصية المعادية للمجتمع في سن المراهقة كما ذكرت من قبل.
للوهلة الأولى ستظن أن لا فرق بين السايكوباثية السالف ذكرها والسوسيوباثية، لكن الفارق دقيق وبسيط جدًا.
الشخصية المعتلة اجتماعيًا لا تفرق عن المعتلة نفسيًا، فكلاهما يواجه مشكلة في الشعور بالتعاطف والندم وتكوين العلاقات وكلاهما كاذبان محترفان ومتهوران. لكن الفرق على دقته فهو مهم جدًا ولا يمكن إغفاله.
– الشخصية المعتلة اجتماعيًا على عكس الشخصية المعتلة نفسيًا، تكون فوضوية إلى حد كبير ولا تستطيع التحكم في عواطفها، تحديدًا غضبها الذي يكون سريع الانفجار دون إدراك منهم للعواقب.
– لا ينعدم الشعور بالتعاطف والندم لدى المعتلين اجتماعيًا بشكل تام، بل يستطيعون الشعور بهما نحو أولئك الذين يكونون معهم رابطة عميقة، كأفراد العائلة مثلًا.
نصل إلى الاختلاف الثالث: هو قدرتهم على تكوين روابط عميقة مع الأشخاص المحيطين وتكوين مشاعر تجاههم، لكن ليس بسهولة تامة. يقدر السوسيوباثي ألا يشعر بالندم تجاه الغرباء إن أذاهم، لكنه يشعر بالندم إن كان الأذى موجهًا لأولئك المقربين منه، وغالبًا ما يكون الأذى بشكل أذىً عاطفي لا جسدي عن طريق التلاعب والكذب.
– الاختلاف الرابع والأهم من وجهة نظري هو قدرتهم على الاندماج في مجتمعهم والتعامل معه بشكل يومي
– الشخصية المعتلة اجتماعيًا أقل تنظيمًا في سلوكها الإجرامي وفي حياتها اليومية بشكل عام، فهذا يجعلهم يعيشون دون استقرار في عملهم وتعاملاتهم.
يمكننا القول، إن كل السايكوباثيين هم سوسيوباثيين والعكس غير صحيح وكلاهما مصابان باضطراب الشخصية المعادية للمجتمع.
تلخيصًا، الشخصية السوسيوباثية لن تقتلك أو تؤذيك جسديًا إن كنت من كارهي الأذى الجسدي، لكنها على الأرجح ستتلاعب بعواطفك وتؤذي مشاعرك بطريقة ما إن لم تكن من أشخاصها المفضلين.
نهاية، أرجو أن يكون حديثي هذا سيجعلك تفكر مرتين قبل أن تنعت أحدًا بالجنون وأمه ثم تذهب مبتعدًا بسيارتك.

 

المصادر:

1- DOES A PSYCHOPATH TEST EXIST? DIAGNOSING THE PSYCHOPATH
    https://goo.gl/geFT1T
2- PSYCHOPATH VS. SOCIOPATH: WHAT’S THE DIFFERENCE?
https://goo.gl/AqRWiq

3- How to Tell a Sociopath from a Psychopath
https://goo.gl/ZRgs9o

4- The sociobiology of sociopathy: An integrated evolutionary model
https://goo.gl/DEDgrW
5- What’s The Difference Between A Sociopath And A Psychopath? (Not Much, But One Might Kill You)
https://goo.gl/Xd2a3r
6- Antisocial personality disorder
https://goo.gl/qfcT31
7- DSM-IV and DSM-5 Criteria for the Personality Disorders
https://goo.gl/FhTNxA
8- How to Spot a Sociopath
https://goo.gl/7yQoQ5

 

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك