اليوم : السبت 18 نوفمبر 2017

 

أول مرة ترى أمك تصلي وهي جالسة علي كرسي لتنحني قليلًا وتسجد علي الهواء، تخاف كثيرًا من أن تكون تبتعد عن الأرض لتقترب من السماء. ترتعب.. لا تخبر أحدًا.
حبيب قديم يتخلل ذاكرتك بين الحين والآخر، بين الساعة والأخرى، بين الدقيقة والأخرى ثم إنه لا يغيب أبدًا. ترتعبين.. لا تخبرين أحدًا، ولا حتى نفسك.
صديق العمر لا يحادثك، لا يشكي لك، مشغول بأشياء عدة لست أحدها. تشعر بالوحدة. ترتعب.. لا تخبر أحدًا ولا حتى هو.
صداع مزمن ودوار شبه دائم. فقدان في الوزن وشحوب في الوجه. رأى مثل هذه الأعراض لوالده قبل وفاته بشهور. يتجاهل لأيام ثم يقرر أن يسأل كبير الأطباء في العالم، “Google”. لا يعجبه التشخيص. يرتعب، يغلق الحاسوب، ينام ولا يسأل مرة أخرى.
تفكير عميق في أصغر التفاصيل، حركات جسدية لا إرادية تلاحظها فقط بعد الانتهاء منها، ابتعاد عن الناس واقتراب إلى جدران الغرفة، تمامًا كبطل الفيلم الذي تشاهده الآن للمرة الخمسين ولأول مرة تلاحظ أنهم يسموه “مريضًا”. ترتعب، لا تفكر في هذه التفصيلة بالأخص وتعود لحركات يديها “اللا إرادية”.
زميلٌ توفي منذ سنين ولازلت لا تصدق تمامًا. كان يلازمك في كل شيء. تدعي لنفسك “اللهم أجرنا من الموت فجأة” وتدعي له بالرحمة. تتذكر خطاياكم المشتركة. تطرد الذكرى. ترتعب، لا تخبر أحدًا، ولا حتى الله.
كلنا نرتعب؛ نخاف أن يتكرر ما مضى ونخاف ألا يتكرر. نخاف أن يبتعدوا عنا ونخاف ألا يخافون أن نبتعد عنهم.
نخاف مما يحدث في عقولنا وفي أجسادنا ومن وراء ظهورنا. نخاف أن نموت هنا ونرتعب من أن نموت بعيدًا عن هنا.
نخاف التعود كثيرًا، فلولا تعودت فيروز ما قالت “شو بخاف بنص الليل ما حاكيك”. لولا تعودت ما غنت، ما خافت.
ونخاف ألا نجد ما نتعود عليه حد ترقرق أصواتنا مثل فيروز.
نخاف من أن نصبح مثل الآخرين ونخاف أن نختلف عنهم.
الخوف لا يمحيه بضع جنود وعساكر، لا يؤثر فيه رعد وبرق وأبواب مغلقة، لا يقويه علينا الظلام ولا يقوينا عليه نور الشمس. الخوف في رؤوسنا؛ لا ينزعه منا شيء ولا ينزعنا منه شيء، فقط نلتهي عنه، أو هكذا نظن.

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك