اليوم : السبت 18 نوفمبر 2017

“بالك إيه.. بقى لينا موقع اسمه +18.. ابقى اكتب له”.

هذا ما قالته لي على الهاتف المتميزة دائما دعاء سلطان.. طبعا لا يحتاج المرء لتفكير كثير قبل أن يعمل مع دعاء في أي مكان، فأنا أحمل لكتاباتها تقديرا كبيرا منذ زمن.. منذ قرأت اسمها أول مرة على مقال فني شديد التميز نشر في زمن بعيد، مما دفعني إلى كتابة خطاب أطريها فيه، وأطري تجدد أفكارها وبراعتها في السخرية، وأرسله بالبريد العادي للجريدة التي تعمل فيها، ولم اعرف إلا متأخرا جدا أنه وصلها فعلا.. كان هذا ضمن ثلاثة خطابات وصلت لأي جهة في حياتي كلها.

أنت لا تفكر كثيرا مع دعاء سلطان المتجددة الجدعة.. لكن عنوان (+18) أثار قلقي.. بالطبع لا أتوقع أنها قررت أخيرا أن تنشئ موقع بورنو!

لكن خطر لي أنه موقع شبابي جدا ينتمي للعالم الذي لا أعرف عنه شيئا، والذي يفصلني عنه ثلاثون عاما على الأقل.. هناك عالم معقد من الفيس بوك “حيث يشيّرون ويعطون لايك لأشياء لا أعرف كنهها”، والتويتر وانستاجرام وواتساب، ويصغون لموسيقى الهاوس، ثم الجيمّ والبوكسر الذي يظهر طرفه من أعلى حافة البنطال، والعضلة السداسية في البطن، والكافيهات التي يكون فيها واي فاي، ويقدمون فيها دائما المكرونة وايت بينّا وشرائح دجاج مشوية “جريل” عليها علامات الشواية، ويأكلون أشياء عجيبة اسمها تشيز كيك وتراميسو وسينابون، ويشربون ميلك شيك.. دعك طبعا من السوشي المرعب.

كقاعدة أنا أتأكد أولا قبل دخول أي مقهى من أن المكان ليس فيه واي فاي ولا يقدم مكرونة الوايت بينّا اللعينة.. لو لم أجد فأنا أدخله سعيدا.. هذا مقهى إذن، يمكنك أن تحضر فيه طلب لحمة راس أو طعمية، وأغرب ما يمكن شربه فيه هو القرفة بالزنجبيل .

عنوان “+18” يستدعي هذا الرعب وأكثر منه، حتى إنني فكرت في قطع شرايين يدي قبل أن أدخل موقعا كهذا! لكني تجاسرت ودخلت موقع دعاء في النهاية.

على الفور أدركت الطابع العام المميز للموقع.. هذا الطابع الذي بدا أنه قد هزم وسحق، واستطاعت وسائل ضخ الأكاذيب المسماة بالإعلام أن تجعل الناس في الميكروباص وعلى المقاهي تلعنه وتتهمه بالعمالة.. طابع الشباب الذي صنع ثورة يناير والذي صمد أمام الغاز والخرطوش والطلقات، والذي ظلت عيناه مفتوحتين في دهشة، وصدره مفعما بالأسئلة.

اختلفت معهم كثيرا بعد الثورة، لأنني كنت أرى أنهم يبددون وقتهم وجهدهم في الثورة طيلة الوقت، مما يهدد بأن يتولى الجيش السلطة ليسيطر على الفوضى! في النهاية عاد العهد القديم وكان لابد من عقابهم بقسوة وشراسة.. لقد أوشكوا على انتزاع شريحة اللحم من أمام الذئب.. يجب ألا يتكرر هذا ثانية.

هناك مقال جميل جدا لشريف عازر يناقش فيه موضوعا غاية في الأهمية: “شعور الأبوة المزعج تجاه الحاكم، والاعتقاد أن أي انتقاد للنظام هو نشر لغسيلنا الوسخ”.. اعتقد أن هذا أفضل مقال قرأته في هذا العدد.

عزيزتي الأم الصغيرة نهى الجندي، تواصل الكلام عن مشاكلها في تربية ابنتها.. إكرام يوسف تنتصف للإعلامية النبيلة ليليان داود التي يحبها الجميع، والتي قرر حزب القبح أن يمزقها.. وتقول لها: “لعل أكثر ما يؤلم في هذه القضية، أنها كشفت أمام أعيننا كيف صغر مقام مصر في أعين بعض من ينتسبون إليها، وهانت عليهم لدرجة أنهم لا يتورعون عن أن يحرموها من أي طاقة نور يمكن أن تكشف حجمهم”.. يسلم قلمك.

هناك قصيدة رقيقة للشهيدة شيماء الصباغ.. لم أعرف أنها كانت تكتب الشعر!

وضع هذه القصيدة هنا يحدد بالضبط المكان الذي يقف فيه “+18”.

منذ متى لم أر مقالا لحنان كمال الباسلة؟!

هناك مقال مهم جدا لـ وهيبة صالح يتحدث عن ثلاث ثورات فاشلة في مائة عام من تاريخ مصر، وتكتب في نهاية المقال: “ولأنني قرأت التاريخ بعين المحلل، ومن خلال متابعتي لما يحدث من انتهاكات، فإننا نسير بخطى ثابتة نحو ثورة ستزلزل الدولة واسميتها ثورة الجياع الثانية، فقد كتبت هذا البوست في الخامس من ديسمبر 2010، أخدت منه نسخه هنا، وأنقله من على صفحتي الشخصية على الفيسبوك بالتاريخ كما هو، لأقول فقط إننا سنكرر نفس أخطائنا, وستفشل ثوراتنا.. فقط لأننا لا نقرأ التاريخ.. لأننا لا نتعامل مع التاريخ على أنه الأساس الذي تقوم عليه وتنهض الأمم، وأن التاريخ يعيد نفسه.. فقط عندما لا نقرؤه”.

لابد من لمسات دعاء الفنية.. لهذا تفاجئنا بسيناريو فيلم “فتاة المصنع” الكامل، وهي عادة راقية كدنا ننساها.. عرفتها زمان مع مجلة السينما والمسرح “رجل وامرأة – عاشت حياتها”.. ثم عرفناها مع مجلة الفنون “آني هول”.. وأخيرا مع مجلة الفن السابع “فيلم لبونويل لا أذكر اسمه”.. ثم بدا أن الموضوع توقف للأبد إلى أن بعث مع هذا الموقع، ولا شك أنني سأطالعه سطرا سطرا، لأفهم سر سحر هذا الفيلم.

هناك مجموعة أقلام مهمة جدا.. منها ماجدة خير الله وعلي قنديل.

حتى الكاريكاتور الذي قدمه فنان لا أعرفه اسمه “أحمد أنور”، متميز وذكي.

باختصار.. شكرا لك يا دعاء.. حتى لو لم أكتب بانتظام في هذا الموقع، فأنا بالتأكيد سأتابعه في شغف، خاصة أنه خال من مكرونة الوايت بينّا والواي فاي، فهو بالتالي مكان مناسب لي جدا.

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك