اليوم : الثلاثاء 21 نوفمبر 2017

أعيش في حمامات القبة.. عائلتي تسكن بهذا الحي منذ 80 عام أو أكثر.. انتمي إلى الجيل الثالث بهذه العائلة، وربما يكون أولادي هم الجيل الرابع الذي يستمر موجودا هنا.. لا توجد مبررات واضحة لاستمرارنا هكذا، فهو حي نصف هادئ، نصف شعبي، نصف عريق.. إنه حتى نصف عسكري.

مثل أجدادي، تعمدت تفويت فرص كثيرة للخروج منه أو السكن في منتجعات الصحراء، لكني الآن سأعيد حساباتي، لأن إغراء العاصمة الجديدة لا يمكن مقاومته.

1- لأنها بدون ميادين للقتل

يشير صديقي إلى ميدان طلعت حرب ويقول إن القاهرة الخديوية صممها فرنسيون، أثرت فيهم الثورة الفرنسية بشكل عكسي، فكرتهم عن الميادين المركزية أنها مكان يمكن من خلاله السيطرة على عدة شوارع بمدفع واحد.. هذا من وجهة نظر أصحاب المدفع، لكن سكان المدن يحبون الميادين لأنها مكان للتجمع والالتقاء، حيث إن المدافع لم تعد سلاحا فعالا.. أصبحت السلطة تكره كل الميادين.

حسنا؛ سنغلق محطة المترو.. سننشئ مدينة جديدة بلا ميادين، سنجعلهم يسيرون لكيلومترات طويلة محاصرين بشواهد إسمنتية عملاقة مغطاة بالزجاج الداكن، يسيرون ويسيرون بدون ميادين يلتقون بها حتى تلحس الشمس عقولهم.. هكذا يتحدث ماكيت المدينة.

2- لأنها بعيدة بعيدة

ما الذي حدث عندما فكر الثوار في الزحف إلى شرم الشيخ؟ وماذا حدث لقوافل التضامن مع غزة؟

سنمنع عنهم وسائل النقل، سنمنعهم من مغادرة المدن، نوقفهم في الكمائن الصحراوية، نقطع الطرق تماما إذا استدعى الأمر.. في الفراغ خارج المدن، الدولة الرخوة يمكنها ممارسة القوة لآخر مدى، الجماهير المرعبة تصبح مثل حفنة رمال يتم نثرها في الصحراء.

فلنجعل مدينتنا وسط الصحراء، لا تبعد كثيرا عن أملاكنا، قريبة من المنتجعات البحرية، وتتمتع بحماية السلاح.

3- لأنها مدينة التنوير

لم يكتمل الأسبوع، ثم بدأت المطالبة بأن تكون المدينة للمتعلمين فقط.. هؤلاء الذين يتمتعون بالسلوك الحضاري الذي يجعلهم يكتفون بإنجاب طفلين اثنين لا أكثر، ويعملون في وظائف لامعة تحمل مسميات غامضة وطويلة.. المهم أنها ستكون مدينة محرمة على الواغش الذين لا يتمكنون من استكمال تعليم لن يؤهلهم لأي شيء، وينجبون خمسة وستة وسبعة عيال، هؤلاء الذين تمنعهم أصولهم الضعيفة – قطعيا – من العمل في القضاء والخارجية.

إنها “يوتوبيا” كما وصفها “أحمد خالد توفيق”، لكن لا أحد تخيل أن هناك من سينقلها للواقع.

4- لأن مدام عفاف في الدور فوق الأرضي

كما يقول أحد الساخرين: ستذهب إلى العاصمة الجديدة لاستخراج ورقة من أحد الأبراج الحكومية الشاهقة.. سيراجع الأستاذ بدوي أوراقك في الدور الـ 57، ثم ستنزل للدور الـ 29 لكي تدفع الرسوم في الخزينة، وتصعد عدة أدوار لكي تشتري ورقة دمغة وتنسخ طلبك وتشتري ملف تضع فيه أوراقك. ثم ستذهب إلى مدام “عفاف” لكي تحصل على الختم، في الدور فوق الأرضي.. بالعاصمة القديمة.

5- لأن الكهرباء لا تنقطع في العاصمة

خلال المؤتمر الاقتصادي، تألقت مدينة شرم الشيخ، تمت تغطيتها بشبكة واي فاي بالكامل. في نفس الوقت، مدينة الشيخ زويد، وهي في سيناء أيضا، انقطعت عنها الكهرباء والاتصالات تماما.

إنه قدر المدن العظيمة، تنقطع الكهرباء في الدلتا بالساعات، وفي الصعيد بالأيام، لكن انقطاعها في حي الزمالك هو حدث خطير يستحق تذمر السكان واهتمام الإعلام، بينما في أحد أبراج العاصمة الجديدة، سيشعر أحد السكان برعشة برد، ويفكر أنه ربما يجب تخفيض درجة حرارة المكيف.

6- لأنها غالية وستدفع كل شيء للغلاء

إنها الشركات التي تخصصت في المشروعات الفاخرة.. الشركات التي حصلت على مساحات شاسعة بأقل الأسعار.. الشركات التي أشعلت الأسعار ولم تهتم بتباطؤ البيع أو حتى إنهاء مشاريعها.. الحمد لله لأن الشركة التي ستبني العاصمة ليست منهم.

لا يهم إذا كانت الشركة حديثة.. لا يهم إذا كان موقعها الإلكتروني تم إطلاقه قبل المؤتمر بأيام.. لا يهم أن يكون لها مقر أو مشاريع سابقة، ولا يهم أن تكون لها علاقات بمن ينفون علاقتهم بالمشروع.. لن اهتم بكل هذه الهواجس، سأسارع بالشراء، لأن كل حفنة رمال على بعد 50 كيلومتر من العاصمة الجديدة سيصبح لها سعرا، ساشتري ولا أعرف ما الذي ساشتريه.

7- لأنها قريبة من ولاد العم

في نهاية حرب أكتوبر 1973، وبعد أحداث ثغرة الدفرسوار، وصلت القوات الإسرائيلية إلى طريق السويس-القاهرة، لم يكن الطريق مفتوحا للعاصمة في الحقيقة، لكن المسافة إلى عاصمتنا كانت أقل من 100 كيلومتر.. أقل من طريق عودتهم لوطنهم.. حسنا، سنقلل المسافة لهم، ربما لم يعودوا أعداءا مثل الماضي، فلنأمل هذا، أو لنعمل على أن يكون الوضع هكذا.

8- لأنك لا شيء فيها

كنا نجلس على مقهى رخيص جدا، وضع صاحبي الجريدة أمامي، وأشار إلى إعلان لإحدى المدن الجديدة؛ رسم تخيلي للمدينة حيث ترتفع ناطحات السحاب بمركزها وتنتشر المساحات الخضراء على أطرافها.. كانت أزمة صاحبي أنه تخيل نفسه ينزل من الدور الثمانين 5 مرات يوميا، مرتديا الشبشب كعادته، لكي يذهب إلى مسجد صغير وبعيد في زاوية الصورة.. مشكلتي أنني حاولت تخيله هو شخصيا في الشارع، نقطة صغيرة غير ملحوظة وسط عظمة المشهد المهيب، أو الأفضل ألا تكون هذه النقطة موجودة من الأساس.

في أسبوعي الأول بدبي، كرهت تلك المدينة اللامعة، كانت أسبابي بسيطة، أن شوارعها لا تعترف بالمشاة.

9- لأن المطار تحت البيت

ستكون العاصمة الجديدة ثورية في تصميمها الحضاري، لدرجة أن الماكيت الترويجي، يضع المطار والاستاد وسط المساكن.. إنها مزايا رائعة لمن يحبون السفر السريع ومباريات الكرة، لكني جربت العمل في أحد المطارات لفترة.. أعرف ما هو صوت الطائرات، وأعرف أن التلوث أصابني بحساسية تنفسية استمرت معي حتى الآن.

ما الذي نسخر منه هنا؟!

تصميم الماكيت الذي يتجاهل أدنى قواعد الهندسة الحضارية والمعمارية؟ أم نسخر من الاستعجال الذي دفعهم لهذا الخطأ؟ أم نسخر من استهانتهم بنا لدرجة أن أي مصمم أزياء بريطاني في دبي، أصبح بإمكانه وضع تصورات لمدننا بكل هذا الجهل والغرور؟ أم نسخر من أن لا شيء في هذا حقيقي وأنه ليس أكثر من ماكيت؟!

 

 

 

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك