اليوم : الأحد 23 إبريل 2017

 

 

البيت، في أول القرية المجاورة، كان محتميا بعزلته.. لم يكن يفصله عمّا يجاوره من بيوت، سوى خطوات قليلة، ومع هذا بدا دائما كما لو كان محاطا بجدران لا مرئية تمنع الآخرين من الاقتراب منه، وتمنع سكانه من التواصل مع عالمهم المحيط.

“بيت العبد”.. هكذا كانوا يطلقون عليه.. نوافذه مغلقة دوما، وأبوابه لا تُفتَح إلا نادرا.

في مرات معدودة رأيت أطفال البيت يخرجون للعب أمامه، وعلى عادة الأب والأم، لم يشاركوا أطفال الجيران لعبهم، كما تجنبهم أطفال الجيران بدورهم.

مع الوقت، أدركت أن كلمة “العبد” لا تشير إلى اسم صاحب البيت أو لقب عائلته، إنما هي صفة اقترنت به بسبب اللون الداكن لبشرتهز. كان يمتهن دفن الموتى، لذا لم أعرف في البداية، هل كان الناس يتجنبونه، بسبب مهنته أم لون بشرته.

حين التحقت بالمدرسة الابتدائية، في قرية أخرى مجاورة، عرفت شخصا آخر يُطلق عليه: “العبد” أيضا، ولم يكن يجمعه بالأول سوى لون البشرة ذاته والعزلة المفروضة عليه، ففهمت أن المسألة أبعد من مهنة غير مستحبة.

كان يملك مطعما صغيرا للفول والطعمية، على مقربة من باب المدرسة، وأتذكر أن الصغار كانوا يقاطعون مطعمه، ويقطعون مسافة طويلة لشراء السندويتشات من مطعم بعيد.ز معظمهم لم يجرب سندويتشات “العبد” على الإطلاق ورغم هذا حكم عليها بأنها أقل مستوى ونظافة.

عنصرية “بريئة”، إن جاز وصف العنصرية بالبراءة من الأساس، دفعت الصغار لتحاشيه، والسخرية من لونه الداكن بأوصاف نقلوها عن الكبار.

ما كان يلفت نظري، هو أن كثيرا ممن أراهم حولي وقتها، كانوا يحترمون لاعبي كرة القدم الأفارقة، وقد يحبون بعض ممثلي هوليوود الأفروأمريكيين، ومع هذا يزدرون من يعرفونهم من ذوي البشرة الأدكن من بشرتهم هم، كأن الاختلاف أيا كانت صوره أو درجاته، أمر يستوجب العقاب.

لا يقتصر هذا الأمر على الريف، بل ينتشر كذلك في المدن.. صديقة قاهرية حاربت كي تتزوج حبيبها الأفريقي، ولم يخجل أهلها من ذكر أن لون بشرته أهم أسباب اعتراضهم عليه، وأنهم لا يريدون لأحفادهم أن يرثوا لون الأب! حاولوا تخفيف هذا، بإعلان أن تخوفهم يأتي من باب الحرص على الأحفاد المحتملين حيث لا يريدون لهم أن يتعرضوا للتمييز ضدهم أو السخرية منهم من جانب أقرانهم.

تبريرات أهل صديقتي، ليست مستغربة، فمن يتبنى ممارسات عنصرية أو تمييزية ضد الآخرين، غالبا ما يلجأ لتبريرها، ولو بمبررات واهية، ولا يصارح نفسه بأنه عنصري. وهذا يقودنا إلى سمة تسم العنصرية على النمط المصري، وهي أنها غافلة تماما عن ذاتها، إذ يصر معظم المصريين على أن العنصرية مهنة الآخرين، وأن مجتمعنا خالٍ تماما من الممارسات العنصرية. فمصر المخترَعة والمتخيلة، في أذهان كثير من المصريين، مجتمع من “الملائكة” و”الضحايا”، وكل الأحكام والآداءات والمقولات العنصرية الموجهة من بعضنا ضد شعوب وأعراق بكاملها مجرد “خفة دم” و”تهريج بريء”!

 

 

 

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك