اليوم : الاثنين 21 اغسطس 2017

بعد أن قدمت “منى البحيري” فقرة من الردح الفني بإنجليزيتها الركيكة في برنامج “آراب جوت تالنت”، كتبتُ على صفحتي في فيسبوك أن هذه الفقرة يمكنها أن تصبح نهاية فنية رائعة لفيلم وثائقي عن العلاقات المصرية السعودية.. لاقى ما كتبته نجاحا وانتشارا مريبا، ثم وجدت نفسي متورطا طوال الأسبوع في نقاشات أبرزت لي تعقيد وجماليات العنصرية المصرية الأصيلة.

وهذا ما كتبته وقتها: ” لو السعودية حبت تعمل فيلم وثائقي عن علاقتها بمصر في آخر 200 سنة، مش هتلاقي نهاية للفيلم أجمل وأدق تعبيرا من فقرة منى البحيري في آراب جوت تالنت
الست دي أبلغ تمثيل لتأثير السعودية وسلاطين الخليج علينا.. تجلى حقيقي وأخير للوطنية المصرية، بالخمار والجهل والقبح والفقر والتلاحة والاستعباط، وهي واقفة تستجدي الضحك علشان كام يوم إقامة خارج البلاعة اللي عايشة فيها، وترجع بكام دولار ينفعوا أسرتها البائسة
مصر مابقتش ينفع تتمثل بست فلاحة شريفة فقدت جمالها، مصر بقت منى البحيري، بدون تمثيل حتى”.

طبقا للنصوص المقدسة في كتاب “شخصية مصر” للراحل “جمال حمدان”، فإن الشخصية المصرية، بشكل ما، ظلت طوال التاريخ متفردة عما حولها من الشعوب، وأن المستعمر يذوب رغما عنه في الشخصية المصرية، كما يسعى بدو الصحراء لغزو شخصيتنا بتصدير التطرف.

الحقيقة أنه أثناء انشغال الغرباء في الذوبان الحضاري، كانت لغتنا العامية الجميلة تمتص آلاف الألفاظ والتراكيب من لغاتهم، وبينما نؤلف المزيد من النكات عن أهل الخليج، كنا نقتبس من أنماط حياتهم بالأطنان، بما في هذا طريقتهم في التدين. لقد طبخنا لأنفسنا شخصية هلامية لكي نخفي شيئا بسيطا: أننا ضعفاء، وأننا نتأثر بالآخرين أكثر مما يتأثرون بنا.

عزيزي الوطني، إذا كانت هناك شخصية مصرية، فلا يوجد أدق من هذا للتعبير عنها: امرأة فقيرة ذات تعليم سطحي، موهبتها الوحيدة هي قدرتها على شتم رئيس أكبر دولة في العالم، بينما يتلقى ابنها رصاصة مجانية من أحد أفراد الشرطة، ويموت أحد المصريين فرحا لأنه حصل على أنبوبة بوتاجاز.

وطبقا لنص آخر أقدم وأكثر قداسة، فإن المصري متدين بطبعه.

إذن، كون المرأة ترتدي الخمار، فهذا ينفي عنها صفات التنطع والتلاحة والاستعباط.. قطعة النسيج الصناعي التي ترتديها كفيلة بمنحها صورة أخلاقية أفضل عند بعض الإخوة، فمن العيب أن نصف امرأة ملتزمة بهذه الأوصاف.

أخي المؤمن.. كرر هذه الجمل 10 مرات لكي تتقنها: النطاعة والتلاحة والاستعباط لا دين لهم.

وطبقا لألبومات صور مصر في الماضي “من الثلاثينات وحتى السبعينات”، فإن الزي هو حرية شخصية، لكن تُقاس حضارة الأمم بمدى تغربها، بينما الخمار هو علامة على التخلف والتطرف.

حسنا، بينما يهلل المتصارعون في الإعلام وفيسبوك على ارتداء الحجاب أو خلعه، يكتسب الخمار شعبية واسعة وسط ملايين السيدات في الشوارع الشعبية والقرى.. ببساطة لأنه رداء سهل، يناسب امرأة مضطرة للسعي من أجل أسرتها، ولأنه لا يبرز درجة فقرها وسط الفقيرات الأخريات.. إنه اتفاق ضمني بين النساء على عدم التميز.

صديقي المثقف، أنصحك بمشاهدة صور مصر في الألفية الثالثة: إنها سوق عشوائي ضخم تبدو فيه أغطية الرأس مثل أمواج البحر، حيث ترتدي معظم النساء أنواعا مختلفة من الأزياء، غرضها الأساسي هو الستر، وألا تكون مطمعا للغرباء أو موضوعا لتنطع أقربائها.. قضيتك في التنوير الإجباري ستبدو كوميدية جدا هنا.

 

تعليقات الموقع

أحدث الأخبار

الأكثر مشاهدة

الأكثر تعليقا

النشرة البريدية

تابعنا على فايسبوك